Home بيروت: مدينةُ ميناء
Old Beirut and its coastline during the late Ottoman period (around 1900 to 1910)
Old Beirut and its coastline during the late Ottoman period (around 1900 to 1910)

بيروت مدينة ميناء

 قراءة في تشكّلها العمراني منذ نشأتها حتى مطلع القرن العشرين

المستخلص: تتناول هذه المقالة تشكّل بيروت العمراني بوصفها مدينة ميناء، وتخلص إلى أن وظائفها المتعاقبة (ثغر وقاعدة بحرية وسوق وحاضرة إدارية) صاغت بنيتها المكانية أكثر مما صاغتها المخططات المسبقة، وأن التراكم وإعادة الاستعمال ثم الهدم هي القاعدة الحاكمة في تاريخها العمراني.

الكلمات المفتاحية: بيروت، مدينة الميناء، المدينة المسوّرة، الوقف، التحديث العثماني، التراث العمراني.

مقدمة

يميل تاريخ بيروت إلى أن يُروى بوصفه سيرة حكام وحروب، فيغيب عنه السؤال المكاني: كيف أنتجت وظائف المدينة المتعاقبة شكلها المبني، وما الذي بقي منه وما الذي ضاع؟ تقترح هذه المقالة قراءة تحليلية تربط الحدث التاريخي بأثره في المكان، وتعتمد مفهومين: «مدينة الميناء» التي تتحدد بنيتها بعلاقة الواجهة البحرية بالداخل، و«الطبقات المتراكمة» التي يُمحى جزء من كل منها ويُعاد استعمال جزء. وهي مقالة تعريفية لموقع إلكتروني، لا دراسة مستفيضة، ولذلك اقتصرت على ما تتفق عليه المصادر أو يرد فيها بوضوح.

الموقع: بين البحر والجبل

تقوم بيروت على هضبة متقدمة نحو المتوسط، يحدّها الجبل شرقاً والبحر شمالاً وغرباً. وتُردّ تسمية المدينة إلى عنصرين طبيعيين، الصنوبر أو الآبار بحسب التفسيرين المتداولين، وهما يختصران معادلة المكان: غابة على الرمل الساحلي، وماء جوفي قريب، وبحر مفتوح. وكان داخل السور القديم مستوى منخفضاً نسبياً قياساً بالتلال المحيطة (الأشرفية ورأس النبع والمصيطبة)، ما سهّل جرّ المياه إليه عبر القنوات، وفرض درجات تصل الأسواق والشوارع بعضها ببعض. وفي موقع كهذا، بين ميناء وجبل، صارت المدينة ممراً للجيوش ومحطة للبضائع في آن، فتناوبت فيها مراحل الانفتاح ومراحل التحصين.

الطبقات الأولى: ثغر صغير ومركز متنقل

تُظهر رسائل تل العمارنة (القرن الرابع عشر ق.م.) بيروت مدينة صغيرة تابعة لجبيل، تُحرس وتنتظر إمداداً بحرياً. وتدل النقود القديمة على أن إله البحر كان حامي المدينة، وهو ما يعكس هوية بحرية مبكرة. ويرجّح بعض الباحثين أن نواتها الأولى لم تكن في موضعها اللاحق بل جنوب الرأس، لأن الشاطئ الرملي هناك أنسب لسحب السفن شتاءً، ويبقى هذا الترجيح بحاجة إلى تنقيب أثري. وتفيد الروايات بأن المدينة دُمّرت في القرن الثاني ق.م. وأُعيد بناؤها مائلة نحو الجنوب، أي أن موضع المركز كان يتغير تبعاً لصلاحية الشاطئ والميناء. وفي العصر الهلنستي تبنّت المدينة أنماطاً إغريقية في المسارح والأعياد، وتدل نقوش في جزيرة ديلوس على جالية من تجارها المقيمين هناك، ما يؤكد وظيفتها التجارية مبكراً.

بلغت المدينة أول اكتمال حضري في العصر الروماني حين صارت مستعمرة بامتيازات قانونية وضريبية، توسّع بها نطاق نفوذها نحو البقاع. وظهر مرفأ على شكل هلال تحرسه أبراج وتُشدّ عبره سلسلة، وساحة ومسرح ومدرج وحمامات وأروقة، وقناة تنقل مياه الجبل، وأعمدة غرانيت جُلبت من مصر بكلفة عالية. وجعلتها مدرسة الحقوق مركز تعليم يقصده الطلاب من أنحاء الإمبراطورية، فكانت قبل ألفي عام نموذجاً مبكراً لمؤسسة تعليمية تصنع حياً. وأنهى الزلزال والموجة البحرية والحريق في منتصف القرن السادس الميلادي هذا الازدهار، فانتقلت المدرسة إلى صيدا وبقيت المدينة صغيرة قروناً. وكان الميناء مصدر الثراء وأشد نقاط الضعف في آن.

الثغر الإسلامي والمدينة المملوكية

عند الفتح العربي كانت بيروت قرية صغيرة، فتحوّلت وظيفتها من حاضرة علم وتجارة إلى ثغر دفاعي وقاعدة أسطول، وصار التخطيط يتبع المنطق العسكري: تعمير المراكب وإقامة الأبراج وتوطين المرابطين، ومعهم جماعات للحماية البحرية لا يزال أثرها باقياً في اسم أحد شوارع المدينة الحديثة. ونجا من العهد الصليبي مسجد واحد قديم، بينما تحوّلت مبانٍ أخرى، ومنها مسجد صار كنيسة على أطلال معبد روماني، ثم عاد جامعاً في العصر المملوكي.

وبعد التحرير من الصليبيين أمر المماليك بهدم تحصينات المدن الساحلية كي لا يعودوا إليها، فكان الهدم قراراً عسكرياً مقصوداً لا نتيجة عرضية للحرب. لكن الغارات البحرية المتكررة أقنعتهم بإعادة التحصين: سور بحري وبرجان يؤطران مدخل المرفأ، أحدهما على قاعدة برج من القلعة المهدّمة، وسلسلة تمنع دخول المراكب، وشبكة بريد وحمام زاجل وإشارات نارية تصل الساحل بدمشق. وسكن أمراء الغرب المدينة فأقاموا حارات داخل السور. وفي القرن الخامس عشر صارت بيروت مرفأ بلاد الشام الرئيسي، بديوان جمارك وجاليات تجارية وفنادق أجنبية، تصدّر الزيت والفاكهة والصابون وتستورد القمح.

المدينة المسوّرة العثمانية

شهد القرن السابع عشر حلقة قصيرة من التحديث بتأثير أوروبي في عهد فخر الدين المعني: قصر في منطقة البرج، وبرج رصد، وحديقة برتقال هندسية مقسّمة إلى مربعات تجري فيها قنوات الماء، وتجديد غابة الصنوبر لحماية المدينة من زحف الرمل. لكن هزيمة صاحب المشروع أعادت المدينة إلى حجمها الصغير، وتوالت عليها الأحداث العسكرية، ومنها حصار 1772.

وتُوصف بيروت قبل التوسع الحديث بأنها مدينة مدمجة كثيفة: سور بارتفاع نحو خمسة أمتار وسماكة نحو أربعة عند القاعدة، وسبعة أبواب تُغلق ليلاً وتُسلَّم مفاتيحها إلى المتسلّم، وقلعة عند مدخل المرفأ وأبراج رصد، ونسيج داخلي من أزقة ملتوية وأبنية متلاصقة. وكانت الأسواق تنتظم بحسب الحرف، وحدتها الدكان الصغير المرتفع عن الأرض، وإلى جانبها الخانات ذات الطابقين والقيساريات والحمامات والمقاهي. ولم يكن الحزام المحيط من بساتين التوت والكروم والزيتون هامشياً، فقد غذّى اقتصاد الحرير والزيت، وكانت أولى المنازل خارج السور أكواخاً لدودة القز.

ولا يكتمل فهم هذا المجال دون الوقف، إذ موّل صيانة المساجد والزوايا والأسبلة والمقابر والحمامات والمدارس، وقدّم خدمات صغيرة تعكس حساسية اجتماعية، كوقف توزيع الخبز على المحتاجين من الطوائف كافة، ووقف يعوّض الصبي الذي يكسر إبريقاً كي لا يُعاقب. فكثير من المجال العام لم تملكه السلطة بل أوقاف ذات إدارة اجتماعية. وإلى جانب ذلك أسهمت المبادرات الأهلية في صنع المكان: أعيان أقاموا قصوراً على الأطراف لضيق المساحة داخل السور، وسوق خاص بقبة وبركة أصبحت علامة شعبية، ومسجد منح منطقة اسمها، ومنزل مستأجر في زقاق البلاط وُلدت فيه كلية تحولت إلى جامعة ثم صنعت حيّ رأس بيروت. وفي مجلس الشورى والبلدية تجلّت إدارة محلية مبكرة، ظهر فيها التوتر بين التحديث وحقوق الملكية، حين استقال رئيس بلدية اعتراضاً على هدم سوق قبل تعويض أصحابه.

الخروج من السور

بعد قصف عام 1840 تهدّم جزء من السور فانتفت حاجة المدينة إلى الدفاع. وجاءت القفزة السكانية بعد 1860، مع نزوح آلاف اللاجئين من الجبل وبقاء كثير منهم، تزامناً مع طريق بيروت–دمشق المعبّد (1863) والسكة الحديدية وتحديث المرفأ. فتشكلت أحياء على التلال: أحياء الأعيان (زقاق البلاط والأشرفية)، والفنادق (الزيتونة منذ 1843)، والحي الجامعي (رأس بيروت)، وتحوّل القلب القديم إلى مركز أعمال بعدما غادره السكن، وبقي القول المتداول «الأطراف مساكن الأشراف» شاهداً على أن الانتقال كان خياراً اجتماعياً قبل أن يكون اقتصادياً.

وأضافت ولاية بيروت (1888) وظيفة إدارية جديدة، فنشأت مؤسسات عامة وساحة وسراي وبنك ومخازن كبرى وترامواي كهربائي ومياه شبكية من نهر الكلب، وبدأت الشركة العثمانية أشغال المرفأ في مطلع التسعينيات. غير أن المرفأ بقي قليل العمق، فكانت السفن الكبيرة ترسو في عرض البحر وتُفرَّغ بالمراكب، ما يبيّن أن نمو المدينة سبق بنيتها التحتية. وكشف القصف الإيطالي عام 1912 أن الواجهة التي صنعت الثراء صارت هدفاً مكشوفاً.

هندسة المركز عام 1915

بلغ التحديث ذروته مع مشروع الوالي عزمي بك عام 1915، إذ هُدمت أزقة وأبواب وحمامات وجوامع صغيرة وفُتحت شوارع مستقيمة متقاطعة، ثم قامت ساحة النجمة عام 1922 بعد هدم جامع وخانات قديمة. وهذا انتقال من النسيج العضوي إلى الشبكة الهندسية، لكنه جرى في زمن حرب ومجاعة وتجنيد قسري وإعدامات في ساحة البرج، فكانت الساحة نفسها موضعاً للحداثة وللمشانق. وقد دفعت الذاكرة المادية ثمناً واضحاً: اختفت الأعمدة الرومانية التي استُعملت مادة بناء، وجُرفت مقابر قديمة في توسعة وسط المدينة، وأُزيلت مبانٍ تراثية على مراحل.

خلاصة

تُظهر القراءة أن بيروت صنعتها وظيفتها وموقعها وتراكم فعل ساكنيها قبل أن تصنعها السلطة. فالوظيفة البحرية ثابتة وأشكالها متبدلة: حوض هلالي بين برجين وسلسلة، ثم سور بحري، ثم أرصفة وأحواض ومخازن. والمركز متحرك داخل حيز جغرافي ضيق. والمادة المبنية تُعاد وتُستهلك، ويتسارع استهلاكها مع التحديث. والمجتمع، عبر الوقف والحرف والأسر والجمعيات، كان منتجاً للمكان قبل الدولة الحديثة. وفي هذا ما يفيد تخطيط المدينة اليوم: التوثيق قبل الهدم، واعتبار الطبقات وحدة تحليل لا الأثر الأقدم وحده، ومراعاة مخاطر الواجهة البحرية، والاعتراف بالدور المجتمعي في صيانة المجال العام.

Beirut Castle and Khan el-Milaha, Late 19th-Century Panorama

المراجع العربية

حلاق، ح. ع. (د.ت.). الملامح العمرانية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية في بيروت العثمانية في ضوء سجلات المحكمة الشرعية في بيروت. تاريخ العرب والعالم. بيروت.

خطاب، ع. ف. (د.ت.). جذور في تراب بيروت: حكاية آل حماده. [دار النشر غير معروفة].

شبارو، ع. م. (1981). تاريخ بيروت: منذ نشأتها حتى سنة 1920. دار مصباح الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

عيد، ك. (2022، آذار/مارس ونيسان/أبريل). أسماء بيروت عبر العصور [سلسلة مقالات]. تجمع تراث بيروت.

المراجع الأجنبية

Porter, H. (1912). The history of Beirut. Syrian Protestant College. (Reprinted from Al-Kulliyeh).

Reddit
Wael Moustafa