Home المدينة الصديقة للاطفال

المدينة الصديقة للأطفال

تبني هذه الدراسة إطارًا نظريًا لمفهوم «المدينة الصديقة للأطفال» من منظور عمراني ومعماري، وتقترح «مقياس الطفل» بوصفه معيارًا تحليليًا لقراءة المدينة وتصميمها. تعتمد الدراسة منهجًا تحليليًا نقديًا يقارن بين مسارات معرفية متكاملة: المقاربة الحقوقية، ونقد «المقياس البالغ» في التخطيط، وجغرافيا الطفولة وتجربة الطفل للبيئة، وعمارة اللعب، والمقياس الإنساني والحسي والتصميم التشاركي. وتنتهي إلى تركيب هذه المسارات في ركائز مفاهيمية هي: الوصول والاستقلالية والبقاء واللعب والحواس والطبيعة والمشاركة والرعاية المشتركة. وتخلص إلى أن الطفل يصلح كاشفًا لجودة المدينة، وأن المدينة القابلة للعيش تنشأ من تحويل الفراغات اليومية إلى بنية متصلة للعب والاستقلالية، لا من إضافة ملاعب معزولة.

 

المقدمة وإشكالية الدراسة

يُختزل حضور الطفل في الخطاب العمراني غالبًا في المدرسة والملعب والحديقة، أي في أماكن مخصصة تُبقيه مستخدمًا وظيفيًا محصورًا. وتتجاهل هذه النظرة أن المدينة تُعاش في معظمها في المسافات الفاصلة بين هذه الأماكن: في الطريق وفي الفراغ الذي لا وظيفة له. ومن هنا تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن قابلية المدينة لأن يعيشها الطفل باستقلالية وكرامة مؤشر عمراني عام على جودتها، وليست شأنًا موجهًا إلى فئة عمرية واحدة.

وتتحدد الإشكالية في السؤال المركزي: كيف تتغير قراءة المدينة وتصميمها إذا اتخذنا الطفل، لا البالغ، مقياسًا لها؟ ويتفرع عنه: كيف تؤطر الأدبيات علاقة الطفل بالمدينة؟ وما العناصر العمرانية التي تحدد قدرته على استعمالها؟ وكيف يمكن تركيب هذه العناصر في إطار مفاهيمي قابل للتوظيف في التصميم؟

 

الأساس الحقوقي: الطفل صاحب حق في المدينة

يقوم الأساس الحقوقي على اتفاقية حقوق الطفل (United Nations, 1989)‏، ولا سيما حق الطفل في التعبير عن آرائه في الشؤون التي تمسه وحقه في الراحة واللهو والأنشطة الترفيهية والثقافية. وقد فصّلت لجنة حقوق الطفل مضمون هذين الحقين في تعليقين عامين (Committee on the Rights of the Child, 2009, 2013)‏، ومنها ضرورة إتاحة بيئات آمنة وميسّرة للعب. وتعرّف مبادرة المدن الصديقة للأطفال (UNICEF, n.d.)‏ المدينة الصديقة للأطفال بأنها التي تُدمج حقوق الأطفال واحتياجاتهم وآراءهم في السياسات والقرارات المحلية، وتوفر لهم الأمان والخدمات واللعب والمساحات الخضراء والمشاركة في الحياة العامة.

وتكمن أهمية هذا الأساس في نقل الطفل من موضع «المستفيد من الحماية» إلى موضع «صاحب الحق». غير أنه يظل معياريًا يحتاج إلى ترجمة مكانية، وهنا يبدأ دور العمارة والتصميم المديني.

نقد المقياس البالغ: الطفل معيارًا

يقدم تونوتشي (Tonucci, 2015)‏ نقدًا مباشرًا لنموذج المستخدم الذي بُنيت عليه المدينة الحديثة، وهو المواطن البالغ العامل المتنقل بالسيارة، ويرى أنه أنتج مدينة تقلصت فيها قدرة الأطفال على استعمالها باستقلالية. ويقترح، بدلًا من إضافة خدمات للأطفال، اتخاذ الطفل معيارًا لإعادة التفكير في المدينة كلها، مقترنًا بآليات مشاركة مؤسسية تنقل آراءهم إلى صناع القرار المحليين. والحجة المركزية منهجية: اختبار المدينة عبر الطفل يكشف مواطن ضعفها العامة، لأن ما يعيق الطفل يعيق غالبًا كبار السن وذوي الإعاقة ومن لا يعتمدون على السيارة. ومن ثم يمكن صياغة المبدأ الآتي:

إذا أمكن للطفل أن يستخدم المدينة باستقلالية وكرامة، فإن عددًا أكبر من سكانها سيتمكنون من استخدامها بالطريقة نفسها.

ويتقاطع هذا الطرح مع التقليد الذي أسسته جاكوبس (Jacobs, 1961)‏ في مفهوم المراقبة الاجتماعية الطبيعية للشارع، ومع غيل (Gehl, 2010)‏ الذي يربط جودة المدينة بسرعة المشاة ومستوى العين والتجربة المباشرة للجسد، ومع وايت (Whyte, 1980)‏ في رصده لسلوك الجلوس والتوقف في الفراغات الصغيرة.

تجربة الطفل للبيئة وتخصيص الفراغات

بحث لينش (Lynch, 1977)‏ في تجربة الأطفال واليافعين للبيئة الحضرية، وأعادت شاولا (Chawla, 2002)‏ توسيع هذا الخط البحثي في سياق التحضر المتسارع. وأظهر هذا المسار أن الأطفال يقيّمون مكانهم بمعايير تختلف عن معايير البالغين، أبرزها حرية الحركة، والتنوع، وإمكان التملك، والتفاعل الاجتماعي. ووثّق هارت (Hart, 1979)‏ كيف يكوّن الطفل خريطته الذهنية للمكان عبر الاستعمال والحركة اليومية.

ويقدّم وارد (Ward, 1978)‏ قراءة نقدية لعلاقة الطفل بالمدينة، مبيّنًا أن الطفل يستثمر الشارع والفراغات المهملة والحواف استثمارًا يتجاوز الفضاءات الرسمية المخصصة له. وتكمن أهمية ذلك في أن المدينة المعاصرة قامت على تخصيص الفراغات لوظائف محددة، بينما يميل الطفل إلى نقض هذا التخصيص وإعادة تأويل الفراغ. وعليه فإن المدينة الصديقة للأطفال ليست التي تكثر فيها المعدات، بل التي تكثر فيها الإمكانات المفتوحة للاستعمال والتأويل.

الاستقلالية الحركية: من الحماية إلى التمكين

يُختزل مفهوم المدينة الصديقة للأطفال أحيانًا في حماية الطفل من المخاطر، غير أن الحماية المفرطة قد تنتج بيئة شديدة التحكم تحدّ من الاستكشاف والاستقلالية. وقد ناقشت أدبيات الاستقلالية الحركية للأطفال (Hillman, Adams, & Whitelegg, 1990; Shaw et al., 2013)‏ تراجع قدرة الأطفال على التنقل دون مرافقة في المدن المعاصرة، وناقش غيل (Gill, 2007)‏ كيف يقود التحرز من المخاطر إلى تقليص فرص الطفولة الغنية بالتجربة.

والمفارقة أن المدينة الآمنة ليست التي تراقب الطفل باستمرار، بل التي تمكّنه من الحركة دون خوف. فالاستقلالية ثمرة شبكة حضرية متكاملة لا نتيجة عنصر واحد، تتضمن استمرارية المسارات، وأمان التقاطعات، وانخفاض سرعات المرور، وقصر المسافات، ووضوح الاتجاهات، والمراقبة الطبيعية الناتجة عن نشاط على مستوى الشارع. وبهذا يصبح المسار بين المسكن والمدرسة جزءًا من تجربة الطفولة لا مجرد انتقال بين نقطتين.

اللعب بوصفه بنية عمرانية

شبكة اللعب والفضاء البيني

يمثل فكر فان آيك (Lefaivre & de Roode, 2002)‏ مرجعًا في إدماج اللعب في النسيج الحضري بدل عزله في مواقع منفصلة، إذ يقع اللعب في «الفضاء البيني» بين الخاص والعام وبين الفرد والجماعة. وفي السياق نفسه يطرح ألكسندر وزملاؤه (Alexander et al., 1977)‏ نمط «اللعب المتصل» الداعي إلى ربط أماكن اللعب بمسارات لا تقطعها حركة المرور. والخلاصة أن المشكلة ليست في غياب الملعب فحسب، بل في انقطاع شبكة اللعب؛ فالملعب المنعزل لا قيمة له إذا عجز الطفل عن بلوغه باستقلالية.

الأجزاء السائبة وتعدد التأويل

تفترض نظرية الأجزاء السائبة (Nicholson, 1971)‏ أن قدرة البيئة على الإبداع تتناسب مع عدد المتغيرات القابلة للتحريك والتشكيل فيها. وعلى هذا الأساس تختلف بيئة اللعب عن معدات اللعب: فالمعدة تعطي وظيفة محددة، أما البيئة المفتوحة فتطرح سؤالًا مفتوحًا: ماذا يمكنني أن أفعل هنا؟ وهذا التمييز جوهري لأن الخيال والاستكشاف لا ينموان في بيئة كل شيء فيها مقرَّر سلفًا.

المدينة القابلة للعب

تتجه أدبيات حديثة إلى توسيع مفهوم اللعب ليمتد على طول الحياة اليومية بدل حصره في أماكن مخصصة (STIPO & Bernard van Leer Foundation, 2019)‏، ويعزز ذلك دليل حديث مشترك بين منظمة الصحة العالمية واليونيسف وموئل الأمم المتحدة (WHO, UNICEF, & UN-Habitat, 2026)‏ يربط الفضاءات العامة الصالحة للعب بصحة الأطفال ونموهم وحقوقهم، ويقدم مبادئ تعمل بوصفها قائمة تصميم وأداة تدقيق وإطار سياسات. وبذلك تتحول المدينة من مكان يذهب إليه الطفل للعب إلى مكان يمكنه أن يلعب فيه أثناء عيش حياته اليومية.

مقياس العين والحواس والطبيعة

لا يرى الطفل المدينة كما يراها البالغ: فارتفاع العين أدنى، وإيقاع الحركة أبطأ، والتفاصيل القريبة أشد أثرًا. ولذلك تكتسب الواجهات الأرضية والعتبات والملمس واللون والفراغات الصغيرة أهمية مضاعفة، ويصبح إدخال منظور الطفل في مراحل التخطيط الأولى، لا كإضافة لاحقة، شرطًا لإنتاج بيئة أفضل للجميع (STIPO & BvLF, 2019)‏. ومن هنا يعمل الطفل الصغير ومرافقه ككاشف للقصور العمراني: ضيق المسارات، وارتفاع الحواف، وانقطاع الاستمرارية، وغياب الظل ومواضع الاستراحة.

وعلى المستوى الحسي، يتقاطع الأمر مع طرح بالاسما (Pallasmaa, 2005)‏ القائل إن العمارة تُختبر عبر الجسد بمجموع حواسه لا بالنظر وحده. وتقتضي المدينة الصديقة للأطفال تجربة حسية مقروءة ومتدرجة: هدوء إلى جانب النشاط، وظل إلى جانب الشمس، وتنوعًا في المواد والملمس. ويكتسب حضور الطبيعة بعدًا إضافيًا؛ فقد راجعت شاولا (Chawla, 2015)‏ الأدلة على فوائد ملامسة الطبيعة لنمو الأطفال وصحتهم، وناقش لوف (Louv, 2005)‏ انفصال الطفولة الحضرية عن الطبيعة، ويتسق ذلك مع التصميم الأحيائي (Kellert, Heerwagen, & Mador, 2008)‏ الذي يعدّ الطبيعة عنصرًا بنيويًا في الفضاء المبني لا زينة له.

الطفل شريك في التصميم

من أهم التحولات في هذا الحقل الانتقال من التصميم للأطفال إلى التصميم مع الأطفال. ويقدم هارت (Hart, 1992)‏ «سلم المشاركة» الذي يميز بين المشاركة الحقيقية والمشاركة الشكلية، فيما تؤكد الأدبيات المؤسسية أن للأطفال معرفة فريدة بحياتهم اليومية وأن إشراكهم في القرارات جزء أصيل من مقاربة المدينة الصديقة للأطفال. وبذلك يتحول الطفل من «مستخدم صغير يجيب عن استبيان» إلى منتج للمعرفة المكانية، ويتغير دور المعماري والمخطط من صاحب القرار الوحيد إلى وسيط يساعد المجتمع على صياغة احتياجاته وترجمتها إلى فراغ.

مناقشة نقدية

يستدعي الإطار قراءة نقدية من ثلاث زوايا. الأولى نقل المعرفة: فأغلب الأدبيات المؤسسة نشأت في سياقات أوروبية وأنجلو-أمريكية، ولا يصح استيراد مفاهيمها دون تكييف مع اختلاف الأنظمة المرورية والملكية العامة والبنية الأسرية والاعتبارات الأمنية. الثانية المخاطر: فالدعوة إلى الاستقلالية لا تنفي أن للمخاطر أبعادًا حقيقية، والمقاربة المتوازنة هي التي تقارن المنافع بالمخاطر لا التي تنفيهما. الثالثة الإنصاف: فالطفل ليس فئة متجانسة، والفروق بين الجنسين والقدرات والأوضاع الاجتماعية تجعل القيود على استخدام المجال العام متفاوتة، مما يقتضي أن يكون الإنصاف معيارًا لتقييم أي تطبيق للإطار.

كما يلزم الحذر من اختزال الإطار في تجميل فضاءات الأطفال؛ فالغاية بنيوية: إعادة توزيع الأولوية داخل الشارع بين السيارة والإنسان، وهو ما يمس السياسات المرورية وقواعد استعمال الأراضي أكثر مما يمس الأثاث الحضري.

الخاتمة

المدينة الصديقة للأطفال ليست مدينة مُزيَّنة بالملاعب والألوان، بل تحول في طريقة التفكير بالعمران نفسه: من نظام للحركة والإنتاج إلى بيئة للنمو والتعلم والاستكشاف واللقاء

وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال «أين نضع الأطفال في المدينة؟» بل «كيف نبني مدينة يستطيع الأطفال أن يعيشوا فيها؟». فالطفل لا يحتاج إلى مدينة مصغرة، بل إلى مدينة حقيقية تسمح له بأن يكون مواطنًا فيها.

المراجع

Alexander, C., Ishikawa, S., & Silverstein, M. (1977). A Pattern Language: Towns, Buildings, Construction. Oxford University Press.

Chawla, L. (Ed.). (2002). Growing Up in an Urbanising World. UNESCO Publishing/Earthscan.

Chawla, L. (2015). Benefits of nature contact for children. Journal of Planning Literature, 30(4), 433–452.

Committee on the Rights of the Child. (2009). General comment No. 12: The right of the child to be heard (CRC/C/GC/12). United Nations.

Committee on the Rights of the Child. (2013). General comment No. 17 on the right of the child to rest, leisure, play, recreational activities, cultural life and the arts (CRC/C/GC/17). United Nations.

Gehl, J. (2010). Cities for People. Island Press.

Gill, T. (2007). No Fear: Growing Up in a Risk Averse Society. Calouste Gulbenkian Foundation.

Hart, R. A. (1979). Children’s Experience of Place. Irvington.

Hart, R. A. (1992). Children’s Participation: From Tokenism to Citizenship (Innocenti Essays No. 4). UNICEF International Child Development Centre.

Hillman, M., Adams, J., & Whitelegg, J. (1990). One False Move… A Study of Children’s Independent Mobility. Policy Studies Institute.

Jacobs, J. (1961). The Death and Life of Great American Cities. Random House.

Kellert, S. R., Heerwagen, J., & Mador, M. (Eds.). (2008). Biophilic Design: The Theory, Science and Practice of Bringing Buildings to Life. Wiley.

Lefaivre, L., & de Roode, I. (Eds.). (2002). Aldo van Eyck: The Playgrounds and the City. NAi Publishers.

Louv, R. (2005). Last Child in the Woods: Saving Our Children from Nature-Deficit Disorder. Algonquin Books.

Lynch, K. (Ed.). (1977). Growing Up in Cities. MIT Press.

Nicholson, S. (1971). How not to cheat children: The theory of loose parts. Landscape Architecture, 62(1), 30–34.

Pallasmaa, J. (2005). The Eyes of the Skin: Architecture and the Senses (2nd ed.). Wiley.

Shaw, B., Watson, B., Frauendienst, B., Redecker, A., Jones, T., & Hillman, M. (2013). Children’s Independent Mobility: A Comparative Study in England and Germany (1971–2010). Policy Studies Institute.

STIPO & Bernard van Leer Foundation. (2019). The City at Eye Level for Kids. STIPO.

Tonucci, F. (2015). La città dei bambini: Un modo nuovo di pensare la città. Zeroseiup.

UNICEF. (n.d.). Child Friendly Cities Initiative. https://childfriendlycities.org

United Nations. (1989). Convention on the Rights of the Child. General Assembly resolution 44/25.

WHO, UNICEF, & UN-Habitat. (2026). Guide to creating urban public spaces for children. World Health Organization. https://www.who.int/publications/i/item/9789240116313

Whyte, W. H. (1980). The Social Life of Small Urban Spaces. Conservation Foundation.

Reddit
Wael Moustafa