مقدمة
تُعدّ الضاحية الجنوبية لبيروت من أكثر المناطق الحضرية تعقيدًا في لبنان، ليس بسبب كثافتها العمرانية وحدها، بل نتيجة تراكم طويل من التحولات السكانية والعمرانية والاقتصادية والتوسع غير المتوازن والضغط على البنية التحتية والنقص في المساحات العامة. فقد تحولت خلال عقود من مجموعة بلدات وأطراف زراعية إلى نسيج حضري متصل شديد الكثافة، تتداخل فيه الوظائف السكنية والتجارية والخدمية بصورة مكثفة، وتشير الدراسات العمرانية إلى أن هذا التحول نتج عن تحولات مكانية واقتصادية وديموغرافية متداخلة أعادت تشكيل المنطقة تدريجيًا.
في مثل هذا السياق، يصبح وجود مؤسسات أهلية محلية متخصصة في العمارة والتخطيط والتنظيم المدني والتصميم الحضري ضرورة تتجاوز النشاط الثقافي أو المهني التقليدي؛ فالمشكلة لا تتمثل فقط في نقص الحدائق أو ازدحام الطرق أو عدم انتظام الواجهات، بل في غياب إطار أهلي مستمر يقرأ المدينة من داخلها، ويوثّق تحولاتها، ويمثّل سكانها في النقاش العمراني، ويقترح بدائل تخطيطية، ويشارك في صياغة مستقبل المكان. ومن هنا تبرز المفارقة الأساسية التي تعالجها هذه المقالة: الضاحية من أكثر المناطق التي تحتاج إلى المعرفة العمرانية المحلية، لكنها لا تمتلك، بالقدر الكافي، مؤسسات أهلية تنشأ من داخل نسيجها الاجتماعي وتعمل باستمرار على إنتاج هذه المعرفة والدفاع عنها.
لماذا لا يكفي المهندس الفرد ولا المؤسسة الأكاديمية؟
توجد في لبنان مؤسسات مهنية وأكاديمية وبلدية تمتلك خبرات في العمارة والتخطيط، كما توجد دراسات وأبحاث جامعية ومشاريع تصميمية تناولت الضاحية الجنوبية في مراحل مختلفة. غير أن ذلك لا يعادل وجود مؤسسة أهلية محلية مستقلة ومتخصصة في شأنها العمراني. ويمكن التمييز هنا بين ثلاثة مستويات وظيفية متمايزة:
المهندس الفرد: يقدّم خدمة تصميمية أو استشارية محددة.
المؤسسة الأكاديمية: تنتج المعرفة البحثية والتحليلية.
المؤسسة الأهلية المحلية: تبني علاقة مستمرة بين المعرفة والمجتمع والمكان.
والمطلوب ليس مكتبًا هندسيًا إضافيًا، ولا جمعية خدمات اجتماعية تضيف نشاطًا معماريًا إلى برامجها، بل مؤسسة تكون مهمتها الأساسية قراءة الضاحية وتوثيقها والتفكير في مستقبلها وإشراك سكانها في صناعة بيئتهم العمرانية؛ وهي وظيفة مؤسسية مفقودة أو ضعيفة الحضور حاليًا.
حدود المعرفة القادمة من خارج المكان
لا تكمن المشكلة في كون المؤسسة خارج الضاحية جغرافيًا بحد ذاته، فالمعرفة الأكاديمية والمهنية لا تتوقف عند الحدود الإدارية. المشكلة الأعمق هي المسافة بين المؤسسة والمكان الذي تدرسه. فحين تأتي مؤسسة من خارج النسيج المحلي، تمتلك غالبًا أدوات قوية — الخرائط والبيانات والبحث الميداني والتحليل العمراني وأدوات التصميم — وهي قيمة لا ينبغي التقليل منها، لكنها قد تواجه في المقابل مشكلة جوهرية: أن المعرفة التي تنتجها عن المكان قد لا تتحول إلى معرفة يمتلكها المكان نفسه.
فالسكان لا يعيشون الضاحية باعتبارها كثافة سكانية أو شبكة طرق أو نسبًا للبناء أو أنماطًا مورفولوجية أو خرائط استعمالات أرض، بل يعيشونها باعتبارها حيًا وشارعًا وبناية ومتجرًا ومدرسة وساحة، وطريقًا إلى العمل، ومساحة لعب للأطفال، وعلاقة بالجيران، وذاكرة مكان، ومجموعة من العادات اليومية؛ فالمدينة لا يمكن فهمها بالكامل من خلال تمثيلها على الخريطة.
لفهم خطورة غياب المؤسسة الأهلية المحلية، يكفي استرجاع التجارب الرسمية السابقة التي حاولت مقاربة الواقع العمراني في المنطقة بأدوات إسقاطية بحتة. وتُعد تجربة “مؤسسة ترتيب منطقة الضاحية الجنوبية الغربية” (أليسار) في أواخر التسعينيات مثالاً صارخاً على هذا المسار. فقد طُرح المشروع كخطة طموحة لإعادة تنظيم وتأهيل جزء أساسي من النسيج العمراني والبنى التحتية في الضاحية، لكنه انتهى إلى تعثر وفشل هيكلي. لم يفشل مشروع “أليسار” لنقصٍ في التمويل أو لغياب الكفاءة الهندسية، بل فشل جوهرياً لأنه اعتمد مقاربة “فوقية” (Top-down) تعاملت مع البيئة المبنية كمسألة عقارية وهندسية بحتة، متجاهلةً الديناميكيات السوسيولوجية والاقتصادية للسكان. لقد نظر المشروع إلى النسيج المحلي بوصفه “عشوائية” تتطلب الإزالة أو إعادة الترتيب القسري، دون بناء شراكة حقيقية مع الأهالي، مما ولّد فجوة ثقة عميقة ومخاوف مشروعة من التهجير واستبدال النسيج الاجتماعي. أثبتت هذه التجربة أن أي قرار تنظيمي، مهما بلغت جودته التقنية، سيتعثر حتماً إذا لم يجد حاضنة أهلية محلية تفهمه، وتفاوض عليه، وتتبناه.
ويمتد هذا القصور المنهجي اليوم إلى طبيعة عمل العديد من المؤسسات التخطيطية والبحثية الموجودة خارج النسيج، والتي تُعِد دراسات ومخططات توجيهية تبقى، في جوهرها، بعيدة تماماً عن الواقع المعاش لأهالي المنطقة. فهذه الدراسات غالباً ما تقرأ الكثافة أو المخالفات أو الاستخدامات المتداخلة للمساحات من عدسة قانونية أو جمالية مجردة، فتطرح حلولاً معيارية لا تأخذ في الحسبان استراتيجيات البقاء اليومية للسكان، ولا شبكات الاقتصاد غير الرسمي التي يعتمدون عليها، ولا الروابط الاجتماعية التي تجعل من الزقاق الضيق امتداداً لغرفة المعيشة. ونتيجة لذلك، تبقى مخرجات هذه المؤسسات حبيسة الأوراق الأكاديمية أو المكاتب الإدارية؛ لأنها تطرح بدائل لا تشبه حياة الناس، وتتحدث بلغة تخطيطية لا تتقاطع مع همومهم، مما يؤكد مجدداً أن غياب المؤسسة المحلية يحرم الدراسات العمرانية من أهم عنصر لنجاحها: واقعيتها، وارتباطها العضوي بمن سيعيشون نتائجها.
من “التمثيل” إلى “المشاركة” في إنتاج المعرفة
تكمن إحدى الإشكاليات الأساسية في أن السكان غالبًا ما يظهرون في الدراسات العمرانية بوصفهم موضوعًا للبحث لا منتجًا للمعرفة؛ إذ يُسألون عن احتياجاتهم، وتُصوَّر أحياؤهم، وتُجمع البيانات عنهم، ثم تنتقل عملية التحليل والتصميم إلى المؤسسة أو الفريق الموجود خارج المنطقة. وبذلك يصبح التسلسل انتاج الحلول يبدأ المؤسسة تدرس فيجيب السكان عن مواضيع مبهمة لا يشرح لهم خلفياتها و مقاصدها لتحلل المؤسسة اجاباتهم المرتبكة و تقترح الحلول بناء عليها.
بينما المطلوب نموذج مختلف يقوم على أن ينتج السكان والمعماريون والمخططون والباحثون المعرفة معًا، ويناقشوا البدائل، ويصوغوا الأولويات، ويراقبوا التنفيذ. وهذه ليست مسألة شكلية في المشاركة المجتمعية، بل مسألة ملكية للمعرفة العمرانية؛ فالمجتمع الذي لا يمتلك مؤسسة قادرة على إنتاج معرفة عن مدينته يبقى في موقع المتلقي للقرارات العمرانية، حتى حين تكون تلك القرارات حسنة النية.
تكتسب هذه المسألة أهمية استثنائية في الضاحية الجنوبية بسبب تعرضها المتكرر لأضرار وعمليات إعادة بناء واسعة. فتاريخ المنطقة يوضح أن الحرب لا تنتهي بالنسبة إلى المدينة بانتهاء العمليات العسكرية؛ إذ تبدأ بعدها مرحلة أخرى أكثر تعقيدًا هي إعادة إنتاج المكان.
وقد أظهرت تجربة إعادة إعمار حارة حريك بعد حرب 2006 حجم هذا التحدي: فقد تضرر النسيج السكني والتجاري بشدة، واضطر آلاف السكان إلى فقدان مساكنهم، ثم برزت الحاجة إلى إعادة البناء مع تحسين قابلية العيش في الوقت نفسه. وتشير إحدى الدراسات إلى أن محاولات إشراك أصحاب المصلحة المحليين في النقاش العام واجهت صعوبات، قبل اللجوء إلى ورشة تصميم مكثفة لإنتاج بدائل لإعادة الإعمار.
وتكشف هذه التجربة مشكلة جوهرية: إذا لم تكن هناك مؤسسة محلية متخصصة قائمة قبل الكارثة، فإن المدينة تبدأ بالتفكير في مستقبلها بعد الكارثة، فتصبح عملية إعادة الإعمار سباقًا مع الزمن تُمنح فيه الأولوية لإعادة السكن والخدمات والبنية التحتية، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بجودة النسيج الحضري والمجال العام والهوية المعمارية والمرونة والبيئة والعلاقة بين الحي والمدينة.
من “إعادة البناء” إلى “المرونة العمرانية”
في المناطق المعرضة للصدمات، لا ينبغي أن يكون التخطيط مجرد أداة لإعادة ما كان قائمًا، بل يجب أن يتحول إلى بنية معرفية مستمرة للمرونة العمرانية؛ أي أن على المؤسسة المحلية أن تعمل قبل وقوع الحدث على:
توثيق المباني والأحياء وإنشاء أرشيف عمراني.
دراسة نقاط الضعف في البنية التحتية.
تحديد المساحات القابلة للتحول إلى فضاءات عامة أو طوارئ.
دراسة أنماط الحركة والإخلاء، وتطوير مبادئ للبناء الآمن.
توثيق الملكيات والأنماط العمرانية، وحفظ ذاكرة الأحياء.
بناء سيناريوهات لإعادة التأهيل وإعادة البناء.
وهذا المجال ليس نظريًا؛ فقد تناولت دراسات أكاديمية الضاحية نفسها من منظور المرونة العمرانية، واقترحت إعادة التفكير في توزيع الكتلة والفراغ وإنتاج نسيج حضري أكثر ترابطًا وقدرة على الاستمرار في ظروف الأزمات. وبذلك يمكن لمؤسسة محلية متخصصة أن تحوّل المعرفة العمرانية من نشاط يأتي بعد الضرر إلى عملية مستمرة تعمل قبل الضرر وأثناءه وبعده.
من أخطر الاختزالات أن يُفهم التنظيم المدني على أنه مجرد رخص بناء وارتدادات وارتفاعات ومخالفات وطرق. أما في معناه الأوسع، فهو إدارة العلاقة بين الإنسان والأرض والمبنى والشارع والبيئة والحركة والخدمات والمجال العام والاقتصاد المحلي. وحين يغيب المجتمع المدني المتخصص، تصبح هذه القضايا موزعة بين جهات مختلفة من دون طرف أهلي يجمعها في رؤية مكانية واحدة، فيُعالَج الشارع من منظور المرور، والرصيف من منظور الأشغال، والمبنى من منظور الترخيص، والحديقة من منظور البيئة، والسكن من منظور اجتماعي، من دون أن يسأل أحد: كيف تعمل هذه العناصر كلها معًا كمدينة؟ وهذه هي بالتحديد الوظيفة التي يمكن لمؤسسة عمرانية محلية أن تؤديها.
مؤسسة “من نسيج” الضاحية لا مؤسسة “تتكلم عنها”
لا يعني وصف المؤسسة بأنها “محلية” أن يكون جميع أعضائها من سكان الضاحية، ولا أن تكون مغلقة أمام الخبرات الخارجية؛ بل على العكس، فالمؤسسة الأكثر نجاحًا هي التي تنفتح على الخبرة الأكاديمية والمهنية الخارجية وتنطلق في الوقت نفسه من قاعدة محلية واضحة، بحيث ينتج السكان الأسئلة، ويطوّر المختصون الأدوات، وينتج الطرفان معًا الحلول. وهنا يصبح السكان شركاء في إنتاج المعرفة لا مجرد مستفيدين من المشروع، ويمكن لهذه المؤسسة أن تجمع المعماريين ومخططي المدن ومهندسي البنية التحتية ومصممي المشهد الطبيعي والباحثين الاجتماعيين والمصورين والموثقين والطلاب وأصحاب المهن المحلية وممثلي الأحياء والسكان أنفسهم، فتتحول العمارة بذلك من ممارسة نخبوية إلى أداة مدنية لإدارة المكان.
إن تأسيس جمعية تحمل اسم العمارة لا يكفي وحده؛ فالمؤسسة المطلوبة ينبغي أن تعمل على أربعة مستويات مترابطة:
إنشاء مرصد عمراني للضاحية يوثّق المباني والشوارع والفراغات والكثافة والخدمات والحركة والأشجار والمساحات العامة والنشاط التجاري والتحولات العقارية والأنماط العمرانية.
إنشاء آليات دائمة تتيح للسكان تحديد المشكلات والأولويات، بدل الاقتصار على المشاركة في استبيان لمرة واحدة.
إنتاج مقترحات فعلية تشمل أدلة التصميم الحضري، ومشاريع المجال العام، واستراتيجيات التنقل، ودراسات الإسكان، وخطط الأحياء.
وهو الأهم: ألا تنتهي المؤسسة بانتهاء مشروع أو تمويل أو كارثة بعينها، بل أن تصبح ذاكرة عمرانية مستمرة للمنطقة.
حق الضاحية في إنتاج صورتها العمرانية بنفسها
لطالما جرى تظهير الضاحية في الخطاب العام من خلال صور كثافة الأبنية العالية وازدحام الشوارع والفوضى البصرية أو آثار الدمار، لكن المدينة أكبر من صورتها النمطية؛ فالشارع التجاري والحي السكني والمبنى القديم، والعلاقة بين الطابق الأرضي والشارع، والحياة اليومية في الفراغات الصغيرة، كلها تشكل هوية عمرانية حقيقية. وتوضح دراسات المجال العام في حارة حريك أن حتى الفراغات الصغيرة وغير التقليدية، مثل المناطق المحيطة بالمنشآت وتحت الجسور، يمكن أن تتحول إلى فضاءات عامة ذات قيمة حين تُفهم علاقتها بالأنماط الاجتماعية والمكانية للسكان.
وهنا تظهر أهمية المؤسسة المحلية: ليس هدفها فرض “صورة جميلة” على الضاحية، بل مساعدة المجتمع على اكتشاف القيمة الموجودة أصلًا في نسيجه، ومعالجة نقاط ضعفه، وتطويره من دون محو شخصيته.
خاتمة
إن غياب مؤسسة أهلية متخصصة ومستقرة تُعنى بالعمارة والتنظيم المدني والتصميم الحضري في الضاحية الجنوبية يمثل فجوة تتجاوز المجال المهني؛ إنه نقص في البنية المدنية المنتجة للمعرفة العمرانية. فالضاحية منطقة ذات كثافة عالية، ونسيج معقد، ومشكلات عمرانية متراكمة، ونقص في المجال العام، وضغوط مستمرة على البنية التحتية، كما أنها تعرضت تاريخيًا لصدمات وتدمير وإعادة إعمار؛ لذلك لا يمكن أن يكون التخطيط فيها نشاطًا موسميًا يظهر عند وقوع أزمة ثم يختفي بانتهائها.
والحاجة الأساسية هي إلى مؤسسة تعيش مع المدينة لا أن تزورها، وتنتج المعرفة مع سكانها لا عنهم، وتعمل قبل الأزمات لا بعدها فقط، وتجمع البحث بالتخطيط والتصميم بالمشاركة المجتمعية. كما أن النقد الموجه للمؤسسات الخارجية لا يعني رفض خبرتها أو التقليل من قيمتها، بل يعني الاعتراف بحدود المعرفة القادمة من خارج المكان حين لا تتحول إلى قدرة محلية مستدامة؛ فالمؤسسة الخارجية تستطيع أن تفتح السؤال وتقدّم الأدوات والخبرة وتنتج دراسات عالية القيمة، لكن استدامة المعرفة العمرانية تتطلب أن تصبح هذه المعرفة جزءًا من المجتمع نفسه.
لا تحتاج الضاحية إلى من يخطط لها فقط، بل إلى من يساعدها على امتلاك قدرتها على التخطيط لنفسها.
وهذه القدرة هي جوهر العمل المدني العمراني: أن يصبح السكان ليسوا موضوعًا للتنظيم، بل شركاء في إنتاج المدينة وصياغة مستقبلها.