الفصل الأول
المدينة في التصور الإسلامي: مدخل إلى فلسفة التخطيط العمراني
مقدمة
تُعد المدينة أحد أبرز المنجزات الحضارية التي ابتكرها الإنسان لتنظيم حياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ولذلك لم يعد التخطيط الحضري في الفكر المعاصر مجرد عملية هندسية تهدف إلى تنظيم الشوارع أو توزيع المباني، بل أصبح علماً متعدد الاختصاصات يجمع بين العمارة، والجغرافيا، والاقتصاد، وعلم الاجتماع، والبيئة، والسياسة، سعياً إلى بناء بيئة عمرانية تحقق جودة الحياة وتستجيب لحاجات الإنسان المادية والمعنوية.
وفي المقابل، غالباً ما تُتناول المدينة في الدراسات الإسلامية من منظور تاريخي أو فقهي جزئي، فيُبحث في أحكام الأسواق، أو المساجد، أو الجوار، أو الطرق، دون محاولة جمع هذه الأحكام ضمن إطار نظري متكامل يفسر علاقتها ببعضها ويكشف عن فلسفة العمران التي تقف وراءها. ومن هنا تبرز أهمية كتاب «تخطيط المدن في الإسلام» للعلامة السيد جعفر مرتضى الحسيني العاملي، الذي يمثل إحدى المحاولات القليلة لتأسيس رؤية شاملة لما يمكن تسميته فقه التخطيط العمراني في الإسلام.
لا ينطلق المؤلف من تاريخ المدن الإسلامية، ولا من دراسة النماذج العمرانية التي عرفها المسلمون عبر العصور، بل يبدأ من النصوص المؤسسة نفسها؛ القرآن الكريم، والسنة النبوية، وروايات أهل البيت، والسيرة العملية للنبي محمد ﷺ والأئمة، محاولاً استنباط المبادئ التي ينبغي أن يقوم عليها تخطيط المدينة الإسلامية. ومن ثم فهو لا يصف المدن كما كانت، بل يبحث في الكيفية التي ينبغي أن تكون عليها المدينة وفق التصور الإسلامي. ويؤكد منذ البداية أن كثيراً من هذه الأحكام يدخل ضمن ما يسميه الأحكام التدبيرية، أي الأحكام التي تتعلق بتنظيم المجتمع وإدارته، والتي يترك تطبيقها التفصيلي للحاكم الشرعي بحسب تغير الزمان والظروف، مما يجعلها قابلة للتطوير ولا تُفهم باعتبارها أنماطاً جامدة أو قوالب عمرانية ثابتة.
تكمن أهمية هذا المنهج في أنه يحرر البحث من الاعتقاد بأن المدينة الإسلامية هي مجرد شكل معماري تاريخي، أو أنها ترتبط بطراز عمراني معين، فالعبرة عند المؤلف ليست بالشكل، وإنما بالمقاصد التي يحققها العمران. فالمدينة الإسلامية ليست مدينة ذات قباب أو أزقة ضيقة بالضرورة، وإنما هي المدينة التي تنجح في تحقيق الأمن، والعدل، والكرامة الإنسانية، وحفظ الحقوق، وتنظيم العلاقات الاجتماعية، بصرف النظر عن الوسائل العمرانية التي تعتمدها لتحقيق ذلك.
من فقه البناء إلى فقه العمران
تكشف القراءة المتأنية للكتاب أن المؤلف لا يجمع أحكاماً فقهية متفرقة حول البناء، بل يسعى إلى بناء منظومة فكرية متماسكة تتجاوز فقه البناء إلى فقه العمران. فالفرق بين المجالين جوهري؛ إذ يهتم فقه البناء بالأحكام المتعلقة بالعقارات والإنشاءات، بينما يبحث فقه العمران في كيفية تنظيم المجال العام بما يحقق مصالح المجتمع ويمنع وقوع الضرر.
ومن هنا فإن الأحكام التي يعرضها الكتاب، كتنظيم الأسواق، أو تحديد عرض الطرق، أو منع التعدي على حقوق الجيران، أو اختيار موقع المدينة، لا تُفهم بوصفها مسائل مستقلة، بل باعتبارها أجزاء من مشروع حضاري واحد، غايته بناء بيئة صالحة للعيش الإنساني.
ولا يقتصر هذا المشروع على الجانب المادي، بل يربط بين العمران والقيم بصورة وثيقة. فالمدينة ليست حيزاً عمرانياً فحسب، وإنما إطار لتكوين الإنسان، ولذلك فإن نجاحها يقاس بقدرتها على إنتاج مجتمع آمن وعادل ومتعاون، لا بعدد مبانيها أو اتساع شوارعها.
وهذا الفهم يختلف عن كثير من النظريات الحديثة التي تنطلق من الاقتصاد أو الكفاءة التقنية أو اعتبارات السوق بوصفها المحرك الأساسي لتشكيل المدينة، بينما يجعل المؤلف الإنسان، بقيمه وأمنه وكرامته، نقطة البداية والغاية النهائية للتخطيط.
المدينة بوصفها مشروعاً إنسانياً
ينطلق الكتاب من فكرة مركزية مفادها أن الغاية من إنشاء المدن ليست العمران ذاته، وإنما الإنسان. فالمدينة تؤسس لكي يجد الإنسان فيها السكينة، ويأمن على نفسه وماله، ويتمكن من العمل والإنتاج، ويحقق طموحه الفردي ضمن مجتمع متماسك.
ولهذا يستند المؤلف إلى الآيات القرآنية التي تتحدث عن “البلد الأمين” و”القرية الآمنة المطمئنة”، ليبين أن الأمن ليس مجرد نتيجة للتخطيط، بل هو الشرط الذي تقوم عليه المدينة الصالحة. فحيث يغيب الأمن، يتعذر الاستثمار، وتضعف الروابط الاجتماعية، وتتراجع المعرفة، ويتوقف النمو الاقتصادي، وتفقد المدينة قدرتها على أداء وظيفتها الحضارية.
ومن اللافت أن المؤلف لا يقصر مفهوم الأمن على الجانب العسكري أو الأمني، وإنما يوسعه ليشمل الأمن الاقتصادي، والاجتماعي، والأخلاقي، والنفسي، وهو ما يجعل المدينة فضاءً صالحاً لبناء الإنسان لا مجرد مكان لإقامته.
كما يربط بين الأمن والاستقرار، فالمجتمع الذي يعيش في خوف دائم لا يستطيع التخطيط لمستقبله، ولا بناء اقتصاده، ولا تطوير معارفه. ومن ثم فإن تحقيق الطمأنينة يصبح جزءاً من وظيفة التخطيط العمراني نفسه، وليس مسؤولية المؤسسات الأمنية وحدها.
مكة: من الموقع غير الملائم إلى المدينة النموذج
من أكثر الأفكار أصالة في الكتاب قراءة المؤلف لمكة المكرمة باعتبارها نموذجاً يكشف العلاقة بين العمران والقيم.
فعند تقييم المواقع وفق المعايير الطبيعية، يبين المؤلف أن مكة تفتقر إلى كثير من المقومات التقليدية للاستقرار؛ فهي محدودة المياه، قليلة الزراعة، وعرة التضاريس، وضيقة الأودية، وتفتقر إلى الموارد التي تجعلها في العادة مركزاً عمرانياً مزدهراً. ويعدد هذه الخصائص ليؤكد أن المقاييس الطبيعية وحدها كانت ستقود إلى استبعادها موقعاً مثالياً للمدينة.
غير أن القرآن يقدم صورة مغايرة تماماً؛ إذ تتحول مكة إلى البلد الأمين، وإلى مركز للهداية والتوحيد، وموضع للأمن والقداسة، رغم افتقارها إلى الموارد الطبيعية التي تقوم عليها المدن عادة. ويستدل المؤلف بآيات متعددة تشير إلى جعل الحرم آمناً ورزق أهله من الثمرات، ليدلل على أن الرسالة والقيم والإدارة الرشيدة قادرة على تحويل المكان محدود الإمكانات إلى مركز حضاري عالمي.
ولا يقصد المؤلف من هذا التحليل التقليل من أهمية اختيار الموقع المناسب، بل يريد بيان أن الموارد الطبيعية ليست العامل الوحيد في نجاح المدن؛ فهناك بعد آخر يتمثل في المنظومة القيمية التي تمنح المكان معناه ووظيفته الحضارية.
ومن هذه الزاوية يغدو عمران مكة، في نظر المؤلف، معجزة حضارية قبل أن يكون معجزة دينية، لأنها تقدم مثالاً على قدرة الرسالة على إعادة تشكيل المجال العمراني وإعادة تعريف مركزية المكان.
العمران بوصفه مسؤولية عامة
يرفض المؤلف فكرة أن تخطيط المدن يمكن أن يُترك للمبادرات الفردية أو لاجتهادات السكان، ويرى أن ذلك يقود إلى العشوائية، وتعارض المصالح، وتشويه المجال العام، وإضعاف قدرة المدينة على تحقيق أهدافها. ولذلك يجعل التخطيط مسؤولية السلطة الشرعية التي تمتلك رؤية كلية للمصلحة العامة، وتشرف على اختيار المواقع، وتنظيم المرافق، وتوجيه النمو العمراني.
ويستشهد بالسيرة النبوية ليبين أن النبي ﷺ لم يقتصر دوره على التوجيه الديني، بل مارس دور المخطط الحضري؛ فاختار مواقع المساجد، وحدد أماكن الأسواق، ووزع الأراضي، وأشرف على تنظيم المدينة، ثم أوكل التنفيذ إلى أصحاب الخبرة والكفاءة. وبذلك يقدم الكتاب نموذجاً مبكراً لما يعرف اليوم بالحوكمة العمرانية، حيث تتكامل الرؤية الاستراتيجية مع الكفاءة التنفيذية.
الفصل الثاني
فلسفة المدينة في الإسلام والمدينة الفضلى
تمهيد
إذا كان الفصل السابق قد تناول الإطار النظري الذي ينطلق منه السيد جعفر مرتضى العاملي في كتاب «تخطيط المدن في الإسلام»، فإن هذا الفصل ينتقل إلى الفكرة المركزية التي يقوم عليها الكتاب، وهي أن المدينة في التصور الإسلامي ليست تجمعاً عمرانياً نشأ استجابةً لحاجات اقتصادية أو دفاعية فحسب، بل هي مشروع حضاري وأخلاقي يهدف إلى توفير البيئة التي يستطيع الإنسان أن يحقق فيها غاية وجوده.
ومن هنا لا يبدأ المؤلف حديثه عن الشوارع أو المباني أو المرافق، وإنما يبدأ بالسؤال الأهم: ما هي المدينة التي يريدها الإسلام؟ فقبل رسم المخطط العمراني، ينبغي تحديد الغاية التي يراد للعمران أن يحققها. وهذا ما يجعل فلسفة المدينة عنده فلسفة مقاصدية، تتقدم فيها الأهداف على الوسائل، وتُفهم العناصر العمرانية بوصفها أدوات لتحقيق مقاصد إنسانية واجتماعية وأخلاقية.
أولاً: المدينة ليست مكاناً للسكن فقط
يبتعد المؤلف عن النظر إلى المدينة بوصفها مجرد مكان يجتمع فيه الناس، ويرى أن العمران لا يكتسب قيمته من كثافة المباني أو عدد السكان، وإنما من قدرته على توفير حياة مستقرة وآمنة تحفظ كرامة الإنسان وتعينه على أداء دوره في المجتمع.
فالمدينة، في التصور الإسلامي، تؤدي وظائف متداخلة:
ومن ثم تصبح المدينة وسيلة لبناء الإنسان، لا غاية قائمة بذاتها.
ولهذا يستند المؤلف إلى الآيات التي تصف “البلد الأمين” و”القرية الآمنة المطمئنة”، ليؤكد أن الأمن ليس مجرد خدمة من خدمات الدولة، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه بقية وظائف المدينة. فالاستقرار الأمني هو الذي يسمح بظهور الأسواق، وازدهار الإنتاج، واستمرار التعليم، ونمو الثقافة، واستقرار الأسر.
ثانياً: الأمن أساس العمران
تكاد فكرة الأمن تشكل المحور الذي تنتظم حوله بقية أفكار الكتاب.
فلا يقتصر الأمن عند المؤلف على حماية المدينة من العدوان، بل يشمل جميع صور الطمأنينة التي يحتاج إليها الإنسان لكي يعيش حياة طبيعية. ولذلك فإن الأمن في المدينة الإسلامية يشمل:
وبهذا المعنى يصبح الأمن شرطاً للعمران وليس مجرد نتيجة له.
وهذا الفهم يقترب بصورة لافتة من كثير من الأدبيات المعاصرة في التخطيط الحضري التي تجعل الشعور بالأمان أحد أهم مؤشرات جودة الحياة، غير أن المؤلف يصل إلى هذه النتيجة من منطلقات قرآنية وفقهية، لا من منطلقات سوسيولوجية أو عمرانية حديثة.
ثالثاً: المدينة مشروع أخلاقي
من أهم ما يميز رؤية المؤلف أنه يرفض الفصل بين العمران والأخلاق.
فالمدينة في الفكر الحديث كثيراً ما تُدرس بوصفها منظومة اقتصادية أو إدارية، بينما يرى المؤلف أن العمران لا يمكن أن يحقق غايته إذا فقد بعده القيمي.
ولهذا لا يكتفي القرآن بوصف مكة بأنها بلد آمن، وإنما يجعلها أيضاً مركزاً للتوحيد، ومقصداً للعبادة، ومكاناً تصان فيه الحرمات.
ومن هنا تصبح الأخلاق جزءاً من التخطيط العمراني نفسه.
فالطريق لا يُنظم فقط لتسهيل الحركة، بل لحفظ حقوق الناس.
والبيت لا يُصمم فقط لإيواء الأسرة، بل لصيانة الخصوصية.
والسوق لا يُقام فقط لتنشيط التجارة، بل لضمان العدالة ومنع الغش والاحتكار.
والمدينة كلها تصبح إطاراً يساعد الإنسان على ممارسة الفضيلة.
إنها رؤية تجعل العمران خادماً للقيم، لا منفصلاً عنها.
رابعاً: مكة نموذجاً فلسفياً لا نموذجاً عمرانياً
يخصص المؤلف مساحة واسعة لتحليل مكة، وهي من أكثر أجزاء الكتاب عمقاً من الناحية الفكرية.
فهو يلاحظ أن مكة لا تمتلك المقومات الطبيعية التي يوصي بها عادة عند اختيار مواقع المدن؛ فهي:
ولو خضعت للمعايير الجغرافية المجردة لما كانت موقعاً مثالياً للاستقرار البشري.
غير أن القرآن يقدمها باعتبارها:
وهنا يصل المؤلف إلى نتيجة مهمة، وهي أن نجاح المدينة لا تحدده الجغرافيا وحدها.
فالبيئة الطبيعية عنصر مهم، لكنها ليست العامل الحاسم.
إذ يمكن للإدارة الصالحة، والرسالة، والقيم، والتنظيم الاجتماعي، أن تعوض كثيراً من النقص الطبيعي.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية اختيار الموقع، بل يعني أن نجاح المدينة هو حصيلة تفاعل الموارد الطبيعية مع المنظومة الإنسانية التي تديرها.
خامساً: الإنسان هو محور التخطيط
تكشف جميع فصول الكتاب أن الإنسان هو العنصر الذي تدور حوله عملية التخطيط.
فلا يحدد عرض الطريق إلا بما يخدم الناس.
ولا تُختار مواقع المؤسسات إلا بما يحقق منفعتهم.
ولا تُبنى المساكن إلا بما يحفظ كرامتهم.
ولا تُشرع الأحكام إلا لدفع الضرر عنهم.
ولهذا فإن المدينة ليست مشروعاً عمرانياً، بل مشروعاً إنسانياً.
وتتجلى هذه الرؤية في كثرة الأحكام التي تراعي راحة المارة، وحقوق الجيران، وسلامة الأطفال، وخصوصية البيوت، ونظافة الطرق، وجودة البيئة.
إن جميع هذه الأحكام، على تنوعها، تعود إلى مبدأ واحد هو تكريم الإنسان.
سادساً: المدينة ليست منتجاً اقتصادياً
تقوم كثير من نظريات التخطيط الحديثة على اعتبار النمو الاقتصادي المحرك الرئيس لتوسع المدن.
أما في رؤية المؤلف، فإن الاقتصاد يمثل أحد مكونات المدينة، لكنه لا يحتل مركزها.
فالمدينة الناجحة ليست الأغنى، بل الأقدر على تحقيق العدالة والأمن والاستقرار.
ولهذا تتكرر في الكتاب الإشارة إلى المؤسسات الاجتماعية، وبيوت الفقراء، وحقوق عابري السبيل، والمرافق العامة، إلى جانب الأسواق وبيت المال.
ويكشف ذلك عن تصور يرى أن المدينة يجب أن تحقق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر.
سابعاً: المدينة الفضلى ليست مدينة مثالية
قد يوحي عنوان “المدينة الفضلى” بوجود نموذج عمراني ثابت يسعى المؤلف إلى إعادة إنتاجه، غير أن القراءة الدقيقة للكتاب تكشف عكس ذلك.
فالمدينة الفضلى عنده ليست مدينة ذات شكل معماري محدد، ولا ترتبط بطراز معين، ولا بعدد معين من السكان، ولا بطريقة خاصة في البناء.
إنها مدينة تحقق مجموعة من المقاصد الكبرى، أهمها:
أما الوسائل التي تحقق هذه المقاصد، فيمكن أن تتغير بتغير الزمان والمكان، وهو ما ينسجم مع تأكيد المؤلف أن كثيراً من الإجراءات التنظيمية تدخل ضمن الأحكام التدبيرية التي تخضع لاجتهاد ولي الأمر بحسب المصلحة العامة.
قراءة تحليلية
تتمثل القيمة الفكرية لهذا الفصل في أن السيد جعفر مرتضى لا يبحث عن “المدينة الإسلامية” بوصفها نموذجاً تاريخياً، بل بوصفها فكرة حضارية.
فالمدينة في الإسلام ليست مجموعة من العناصر العمرانية، وإنما منظومة قيم تتجسد في الفضاء العمراني.
وهذا يفسر لماذا يبدأ الكتاب بالأمن قبل الطرق، وبالإنسان قبل المباني، وبالمقاصد قبل التفاصيل الفقهية.
ومن منظور التخطيط الحضري المعاصر، يمكن القول إن المؤلف يقترب من مفهوم المدينة المتمحورة حول الإنسان (Human-Centered City)، لكنه يؤسس هذا المفهوم على مرجعية دينية ومقاصدية، لا على الاعتبارات الاقتصادية أو البيئية وحدها. كما أن ما يقدمه ليس مخططاً عمرانياً جاهزاً، بل إطاراً معيارياً يمكن أن تستلهمه المدن في كل عصر مع اختلاف وسائل التنفيذ وأشكال العمران.
الفصل الثالث: التخطيط العمراني في الإسلام
الموقع، المؤسسات، الطرق، المساكن، والبيئة
بعد أن يرسّخ المؤلف الأساس الفلسفي للمدينة الإسلامية، ينتقل إلى الجانب التطبيقي، مبيناً أن التخطيط العمراني في الإسلام ليس مجموعة من الأحكام المتفرقة، وإنما منظومة متكاملة تبدأ باختيار موقع المدينة، ثم تنظيم مؤسساتها، وشبكة طرقها، ومساكنها، وبيئتها، بحيث تعمل جميعها لتحقيق المقاصد الكبرى للشريعة، وفي مقدمتها الأمن، والعدل، وحفظ الكرامة الإنسانية، والمصلحة العامة.
أولاً: اختيار موقع المدينة
يرى المؤلف أن نجاح المدينة يبدأ قبل وضع أول حجر فيها، إذ إن اختيار الموقع يمثل القرار التخطيطي الأهم. ويستخلص من القرآن الكريم والسيرة النبوية والروايات مجموعة من المعايير التي ينبغي مراعاتها، منها توافر الأمن، وإمكان الوصول إلى المياه، وملاءمة الأرض للاستقرار، وتوافر الموارد التي تضمن استمرار الحياة، مع مراعاة الظروف الدفاعية والصحية. غير أن المؤلف يؤكد أن هذه الشروط ليست ميكانيكية، ويستشهد بمكة المكرمة التي تفتقر إلى كثير من المقومات الطبيعية، لكنها أصبحت مركزاً للحضارة الإسلامية بفعل رسالتها الدينية والإدارة التي قامت عليها، مما يدل على أن نجاح المدينة لا يتوقف على البيئة الطبيعية وحدها، بل على المنظومة القيمية والإدارية التي تنظمها.
ويشير الكتاب إلى أن اختيار الموقع لم يكن قراراً عشوائياً، بل كان من مسؤوليات القيادة، وهو ما يظهر في السيرة النبوية عند تأسيس المدينة المنورة، حيث سبق البناءَ تحديدُ المواقع المناسبة للمسجد والأسواق والمرافق العامة، بما يعكس وجود رؤية تخطيطية شاملة لا مجرد استجابة للحاجات الآنية.
ثانياً: المؤسسات العامة وبنية المدينة
لا يختزل المؤلف المدينة في المساكن والطرق، بل يعتبر أن المؤسسات العامة هي التي تمنحها شخصيتها ووظيفتها الحضارية. ويضع المسجد في مركز هذه المنظومة، ليس باعتباره مكاناً للعبادة فحسب، وإنما مؤسسة جامعة تؤدي وظائف دينية، وتعليمية، وقضائية، واجتماعية، وإدارية.
كما يعرض الكتاب مجموعة من المرافق التي ينبغي أن تتوافر في المدينة، مثل الأسواق، وبيت المال، ودار الضيافة، ومساكن الفقراء، والسجن، ومراكز التدريب العسكري، ومصلى العيد، ومجالس القراء والقصاص، ويرى أن وجود هذه المؤسسات يعكس شمولية الرؤية الإسلامية للحياة العامة، حيث لا تُترك الوظائف الاجتماعية أو الاقتصادية للصدفة، وإنما تُنظم ضمن إطار مؤسسي واضح.
ويولي المؤلف اهتماماً خاصاً بتنظيم الأسواق، فيتناول الرقابة على الموازين والمكاييل، ومنع البيع في غير المواضع المخصصة، وتعيين من يشرف على السوق، باعتبار أن السوق فضاء عام ينبغي أن تحكمه العدالة وحماية حقوق المتعاملين، لا مجرد حرية النشاط الاقتصادي.
ثالثاً: الطرق والفضاء العام
يفرد الكتاب مساحة واسعة للطرق، لأنها تمثل المجال الذي تتقاطع فيه حقوق جميع السكان. فالطريق في التصور الإسلامي ليس فراغاً عمرانياً، بل حقاً عاماً لا يجوز الاعتداء عليه.
ولهذا يناقش المؤلف تحديد عرض الطرق بحسب طبيعتها، ومنع التعدي عليها بالبناء أو فتح النوافذ المؤذية أو إقامة العوائق التي تعرقل حركة المارة، كما يتناول مفهوم الحريم، أي المساحة التي ينبغي إبقاؤها خالية حول بعض المرافق والمنشآت لضمان سلامتها وحسن استخدامها.
ولا يقتصر اهتمامه على التنظيم الهندسي، بل يمتد إلى السلوك المدني داخل الفضاء العام؛ فينهى عن قضاء الحاجة في الطرق، ويحض على إزالة الأذى منها، ويتناول آداب المشي، وضبط الضوضاء، والمحافظة على الأشجار، وتنظيم تصريف مياه الأمطار والمياه المستعملة عبر المثاعب والميازيب، باعتبار أن الطريق جزء من البيئة المشتركة التي يتحمل الجميع مسؤولية المحافظة عليها.
وتكشف هذه الأحكام أن المؤلف ينظر إلى الطريق بوصفه فضاءً اجتماعياً وأخلاقياً، وليس مجرد ممر للحركة.
رابعاً: المساكن والخصوصية
يخصص المؤلف فصلاً مستقلاً للمسكن، انطلاقاً من أن الأسرة هي الوحدة الأساسية للمجتمع، وأن جودة البيئة السكنية تنعكس مباشرة على استقرار المجتمع كله.
ولهذا يتناول مجموعة من الضوابط المتعلقة بالبناء، مثل عدم المبالغة في ارتفاع الأسقف، وضرورة تأمين الأسطح لمنع السقوط، ومنع النوافذ المطلة على بيوت الجيران حفاظاً على الخصوصية، والرقابة على جودة البناء، وحماية حقوق المتعاقدين.
كما يورد روايات تتحدث عن صفات الدار الصالحة، فيربط بين سعة الدار، وصلاح الجوار، وسلامة البناء، باعتبارها عناصر تؤثر في جودة الحياة، ويشير إلى ضرورة وضع المرافق الداخلية، كالحمام، في مواضع تحقق الستر والراحة.
وتظهر في هذا الفصل أهمية مبدأ عدم الإضرار بالغير، الذي يشكل قاعدة عامة تحكم العلاقة بين المساكن، وتمنع أن تتحول حرية المالك إلى سبب للإضرار بجيرانه أو بالمجال العام.
خامساً: البيئة والنظافة
لا يتعامل الكتاب مع النظافة باعتبارها مسألة صحية فحسب، بل يعدها جزءاً من المنظومة الأخلاقية التي ينبغي أن تقوم عليها المدينة.
ومن هنا يناقش أحكام كنس الأفنية، وعدم إبقاء النفايات داخل البيوت، وتنظيم تصريف المياه، والاهتمام بالإنارة، ومنع الروائح الكريهة، والمحافظة على نظافة الطرق والأماكن العامة، ويرى أن هذه الجوانب تدخل في صميم التخطيط العمراني لأنها تؤثر مباشرة في صحة السكان وكرامتهم وجودة حياتهم.
وتكشف هذه المعالجة عن اتساع مفهوم التخطيط عند المؤلف، إذ لا يقتصر على رسم الشوارع أو توزيع المباني، وإنما يشمل جميع الإجراءات التي تضمن استدامة البيئة العمرانية وسلامتها.
وبذلك يقدم الكتاب تصوراً متكاملاً للمدينة، تتكامل فيه عناصر الموقع، والمؤسسات، والطرق، والمساكن، والبيئة، ضمن إطار واحد يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، ويجعل من العمران وسيلة لخدمة الإنسان لا غاية قائمة بذاتها.
تحليل معماري
تكشف قراءة هذا الفصل أن السيد جعفر مرتضى لا يقدم دليلاً فنياً لتخطيط المدن بالمعنى المتعارف عليه في التخطيط الحضري الحديث، بل يضع إطاراً معيارياً (Normative Framework) يحدد الغايات التي ينبغي أن يحققها العمران، ويترك الوسائل التقنية لكل عصر. وهذه السمة تمنح الكتاب قدرة على الحوار مع الفكر العمراني المعاصر رغم اختلاف السياقات التاريخية.
أول ما يلفت الانتباه هو أن المؤلف يتبنى ما يمكن وصفه بالتخطيط المتمحور حول الإنسان (Human-Centered Planning). فاختيار الموقع، وتنظيم الطرق، وتصميم المساكن، وتوزيع المؤسسات، جميعها تُقاس بمدى قدرتها على حماية الإنسان وتحقيق أمنه وراحته وكرامته، وليس بمدى تعظيم الكفاءة الاقتصادية أو تعظيم قيمة الأرض. وهذا يتقاطع مع الاتجاهات الحديثة التي تدعو إلى جعل رفاه الإنسان محوراً للسياسات الحضرية.
كما يقدم الكتاب فهماً متقدماً للفضاء العام، إذ لا ينظر إلى الطريق باعتباره مرفقاً للنقل فقط، بل فضاءً اجتماعياً تحكمه حقوق متبادلة. فالأحكام المتعلقة بمنع التعدي على الطريق، وإزالة الأذى، وحماية الأشجار، وتنظيم الضوضاء، تشكل ما يمكن اعتباره إرهاصات مبكرة لمفاهيم التصميم الحضري المعاصر، مثل جودة المجال العام، وإمكانية المشي، والعدالة المكانية.
وفي مجال السكن، يبرز مفهوم الخصوصية بوصفه قيمة عمرانية، وليس مجرد تفضيل اجتماعي. فالمنع من الإشراف على الجيران، والعناية بموضع الفتحات، والاهتمام بسلامة البناء، تعكس إدراكاً للعلاقة بين التصميم المعماري والاستقرار الأسري. وتختلف هذه الرؤية عن بعض الاتجاهات الحديثة التي تركز على الكثافة والاستغلال الأقصى للأرض، ولو جاء ذلك على حساب الخصوصية أو جودة البيئة السكنية.
أما في الجانب البيئي، فيلاحظ أن المؤلف يربط النظافة والصحة العامة بالبنية العمرانية نفسها، وهو ما ينسجم مع مفاهيم الاستدامة الحضرية، وإن كان الكتاب لا يستخدم هذا المصطلح. فتنظيم تصريف المياه، والمحافظة على نظافة الطرق، والاهتمام بالإنارة، كلها عناصر تؤكد أن جودة البيئة ليست خدمة لاحقة للعمران، بل جزء من عملية التخطيط منذ بدايتها.
ومع ذلك، يبقى الكتاب عملاً تأصيلياً أكثر منه مرجعاً تقنياً؛ فهو لا يناقش أدوات التخطيط الحديثة مثل استعمالات الأراضي، والكثافات السكانية، وشبكات النقل العام، والبنية التحتية الرقمية، أو التخطيط الإقليمي. ومن ثم فإن قيمته الأساسية لا تكمن في تقديم نموذج جاهز للمدينة الإسلامية، بل في تأسيس منظومة من المبادئ التي يمكن إعادة قراءتها وتطويرها في ضوء تحديات المدينة المعاصرة، بحيث تبقى المقاصد ثابتة، بينما تتطور الوسائل والأدوات وفق معطيات كل عصر.
الفصل الرابع
الإدارة والحوكمة في تخطيط المدن الإسلامية، قراءة نقدية، والخاتمة
أولاً: الإدارة والحوكمة في تخطيط المدينة
لا يكتمل التصور العمراني الذي يقدمه السيد جعفر مرتضى العاملي عند حدود اختيار الموقع أو تنظيم الطرق والمؤسسات، بل يمتد ليشمل الجهة التي تمتلك سلطة التخطيط واتخاذ القرار. فالعمران، في نظره، ليس عملية تقنية مستقلة، وإنما ممارسة سياسية وشرعية ترتبط بمسؤولية تحقيق المصلحة العامة، ولذلك يخصص الفصل الأخير من الكتاب لبيان من يتولى إدارة المدينة والإشراف على تخطيطها.
ينطلق المؤلف من السيرة النبوية، ليؤكد أن الرسول محمد ﷺ لم يكن مجرد مبلغٍ للأحكام الدينية، بل كان المرجع الأعلى في إدارة المدينة وتخطيطها؛ فقد اختار مواضع المسجد والأسواق، ونظم توزيع الأراضي، وأشرف على إنشاء المرافق العامة، وفصل في النزاعات المتعلقة بالملكية والطرق والجوار. ويستنتج من ذلك أن التخطيط الحضري في الإسلام كان جزءاً من وظيفة القيادة، وليس نشاطاً منفصلاً تمارسه جهة مستقلة عن السلطة العامة.
ويمتد هذا الدور، وفق رؤية المؤلف، إلى الإمام المعصوم في حال حضوره، ثم إلى ولي الفقيه أو من ينوب عنه في عصر الغيبة، بوصفه المسؤول عن إصدار الأحكام التدبيرية التي تنظم شؤون المجتمع وفق مقتضيات المصلحة العامة. ويؤكد أن كثيراً من الأحكام المتعلقة بتنظيم المدينة لا تندرج ضمن الأحكام الشرعية الثابتة، بل هي من قبيل الإجراءات الإدارية والتنظيمية التي تتغير بتغير الظروف والأزمنة، ما يمنح النظام العمراني مرونة تسمح له بالتكيف مع المتغيرات دون الإخلال بالمبادئ الكلية للشريعة.
ومن خلال هذا التصور، يميز المؤلف بين الثوابت والمتغيرات في التخطيط الحضري. فالثابت يتمثل في المقاصد الكبرى، مثل حفظ النفس، وصيانة الحقوق، ومنع الضرر، وتحقيق العدالة والأمن، أما الوسائل والإجراءات التنفيذية فتخضع للاجتهاد، وتختلف باختلاف الزمان والمكان والتطور التقني. وبهذا لا تصبح المدينة الإسلامية نموذجاً عمرانياً مغلقاً، بل إطاراً مرناً يتيح تطوير السياسات العمرانية وفق حاجات المجتمع.
وتكشف هذه الرؤية أن الإدارة، في تصور المؤلف، ليست مجرد جهاز تنفيذي، بل عنصر أساسي في إنتاج العمران. فالمدينة لا تنجح بسلامة تصميمها وحده، وإنما بوجود سلطة قادرة على تطبيق القوانين، وحماية المجال العام، ومنع الاعتداء على حقوق الآخرين، والإشراف على حسن أداء المؤسسات والخدمات. ومن ثم فإن الحوكمة ليست إضافة لاحقة للتخطيط، بل جزء من بنيته الأساسية.
الخاتمة
تكشف قراءة كتاب «تخطيط المدن في الإسلام» أن المؤلف لا يسعى إلى إعادة رسم مدينة تاريخية أو استحضار نموذج عمراني ينتمي إلى الماضي، بل يحاول تأسيس نظرية معيارية للتخطيط الحضري تستمد مبادئها من القرآن الكريم، والسنة النبوية، وسيرة النبي وأهل البيت. وتقوم هذه النظرية على أن المدينة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق الأمن، والاستقرار، والعدالة، وصيانة الكرامة الإنسانية، وتنظيم العلاقات الاجتماعية، وتوفير البيئة التي تمكّن الإنسان من أداء رسالته في الحياة.
وقد أظهرت الدراسة أن الكتاب يبني تصوره العمراني انطلاقاً من خمس ركائز مترابطة: اختيار الموقع المناسب، وإنشاء المؤسسات العامة، وتنظيم الطرق والفضاء العام، وضبط البيئة السكنية، والمحافظة على النظافة والصحة العامة، ثم يضيف إليها ركناً سادساً يتمثل في الإدارة والحوكمة، باعتبارهما الضامن لاستمرار هذه المنظومة وتحقيق مقاصدها. وبهذا يصبح التخطيط الحضري، في رؤية المؤلف، مسؤولية اجتماعية وسياسية وأخلاقية، لا مجرد ممارسة هندسية.
كما يتبين أن أهم ما يميز الكتاب هو انتقاله من فقه الأحكام الجزئية إلى فقه العمران، حيث تُقرأ النصوص الشرعية بوصفها إطاراً لبناء مدينة تحقق المصلحة العامة. وتبرز أهمية هذا المنهج في قدرته على التمييز بين المبادئ الثابتة، مثل العدالة وعدم الضرر وحفظ الحقوق، وبين الوسائل التنظيمية التي تتغير تبعاً للزمان والمكان، وهو ما يمنح الفكر العمراني الإسلامي مرونة تسمح له بالتفاعل مع تحديات المدينة المعاصرة.
وفي ضوء ذلك، يمكن النظر إلى هذا الكتاب بوصفه أحد اللبنات الأولى في تأسيس نظرية إسلامية للتخطيط الحضري، لا باعتباره دليلاً فنياً أو مخططاً جاهزاً للمدن. فقيمته الأساسية تكمن في إعادة توجيه النقاش من السؤال: كيف كانت المدن الإسلامية؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: ما المبادئ التي ينبغي أن يقوم عليها العمران في ضوء الرؤية الإسلامية؟ ومن هذا المنطلق، يفتح الكتاب آفاقاً واسعة للباحثين والمعماريين لإعادة قراءة التراث الفقهي والعمراني، وربطه بقضايا التخطيط الحضري المعاصر، بما يسهم في تطوير نموذج عمراني يستفيد من الخبرة الإنسانية الحديثة، دون أن يفقد جذوره القيمية ومقاصده الحضارية.