ينطلق هذا المقال من إشكالية مزدوجة تطرحها العمارة السكنية المعاصرة: جمود المخططات التصميمية من جهة، وما يقابلها من ارتجال سكاني تلقائي من جهة أخرى. ويفترض المقال أن هذا الارتجال ليس عرضاً من أعراض الفوضى البصرية بقدر ما هو استجابة وظيفية لقصور كامن في الفرضية التخطيطية القائلة بثبات الاحتياجات البشرية والمناخية عبر الزمن. وبالاعتماد على المراجعة النظرية لأدبيات “عمارة البناء المفتوح” كما أسسها المعماري الهولندي جون هابراكِن، يستخلص المقال خمسة مبادئ عامة تحكم العلاقة بين النظام العمراني الصارم والمرونة المعيشية المتغيرة، مدعَّمة بشواهد من أقوال معماريين رواد في هذا الحقل. ويخلص المقال إلى أن متانة العمارة واستدامتها لا تكمنان في كمال تصميمها النهائي، بل في قدرتها البنيوية على استيعاب التحول والتكيّف المستمر مع الزمن.
تفترض كثير من الممارسات التخطيطية التقليدية أن المسكن أو المخطط العمراني هو “منتج نهائي” يُسلَّم في لحظة الإنجاز، وأن أي تعديل يطرأ عليه لاحقاً هو انحراف عن التصميم الأصلي يستوجب التصحيح أو المنع. غير أن الملاحظة الميدانية لكثير من المدن والمجمعات السكنية، من الإسكان الشعبي في أمريكا اللاتينية إلى المجمعات الحكومية في مناطق أخرى من العالم، تكشف عن نمط متكرر من “العمارة الارتجالية” (Informal Architecture): توسيعات غير مرخصة، إغلاق شرفات، تعديل فتحات، إضافة طوابق. هذا التكرار العابر للسياقات الجغرافية والاقتصادية يستدعي تفسيراً نظرياً أعمق من وصفه بأنه مجرد فوضى أو تجاوز قانوني.
يقترح هذا المقال أن الارتجال السكاني هو، في جوهره، عملية تصحيح وظيفي وبيئي يقوم بها المستخدمون لسد الثغرة بين ما خطّطه المعماري وما يحتاجه الإنسان فعلياً عبر الزمن. وبناءً على هذا الافتراض، يستعرض المقال خمسة مبادئ نظرية مستخلصة من أدبيات التخطيط العمراني وعمارة الإسكان، مع تدعيم كل مبدأ بشواهد نصية من أقوال معماريين مؤسسين في هذا الحقل، ومصادرها الأكاديمية والمرجعية.
يمثّل عمل المعماري الهولندي جون هابراكِن (N. J. Habraken) أحد أهم المنطلقات النظرية لفهم العلاقة بين الجمود التخطيطي والمرونة المعيشية. في كتابه المؤسس Supports: An Alternative to Mass Housing (نُشر بالهولندية عام 1961 وتُرجم إلى الإنجليزية عام 1972)، انتقد هابراكِن نموذج الإسكان الجماعي الذي يعامل الوحدة السكنية كمنتج صناعي موحَّد، ودعا إلى الفصل بين “البنية الداعمة” (Support) التي يصممها المعماري والمخطط، و“الحشو الداخلي” (Infill) الذي يتحكم فيه السكان بأنفسهم. هذا الفصل بين المقياسين – مقياس النظام العام ومقياس الاستخدام الفردي – يشكّل الأساس الذي تُبنى عليه المبادئ الخمسة التالية.
المبادئ الخمسة لعمارة المرونة
المبدأ الأول: مرونة التصميم أولى من فرض الجمود
يقوم التصميم الناجح، وفق هذا المبدأ (Flexibility over Fixity)، على افتراض أن التغيير ليس خللاً عارضاً بل حتمية بنيوية في حياة المسكن والمدينة على حدّ سواء. فالافتراض بأن الاحتياجات البشرية والمناخية ستبقى ثابتة طوال العمر الافتراضي للمبنى هو، في الواقع، وهم تخطيطي يتجاهل ديناميكية الأسرة والمجتمع والمناخ. لذلك فإن المنشآت الأكثر ديمومة هي تلك التي تترك هوامش “غير مكتملة” قصداً، بما يسمح للسكان بإعادة تشكيلها دون الحاجة إلى هدم الهيكل الأساسي. وهذا ما عبّر عنه هابراكِن صراحة حين دعا المخططين إلى أن:
“make provision for what cannot be foreseen”
(أن نُهيّئ الإمكان لما لا يمكن التنبؤ به)
— Habraken, Supports: An Alternative to Mass Housing (1972)
المبدأ الثاني: التخطيط المتعدد المقاييس (Multi-Scalar Performance)
ينبغي الفصل بين مقياس البنية التحتية للمدينة – الشوارع، الخدمات، التوزيع العام – ومقياس الحياة اليومية داخل المسكن – الراحة الحرارية، الخصوصية، إمكانية التوسع. فنجاح المخطط العام لا يضمن بالضرورة نجاحه على مستوى المعيشة اليومية؛ ولذلك يجب أن يوفّر التخطيط أُطُراً عامة صارمة ومنظَّمة على مستوى المدينة، في حين تُترك للمسكن هياكل محلية مرنة وقابلة للتعديل. هذه الفكرة عن “تداخل المقاييس” – أن يكون البيت بمثابة مدينة صغيرة، وأن تكون المدينة بمثابة بيت كبير – عبّر عنها المعماري الهولندي ألدو فان آيك في مقالته التأسيسية لحركة “تيم 10” (Team 10):
“A house must be like a small city”
(يجب أن يكون البيت كالمدينة الصغيرة)
— Aldo van Eyck, “Steps Toward a Configurative Discipline,” Forum (1962)
المبدأ الثالث: المستخدم كمعماري ثانٍ (The User as Co-Designer)
حين يعجز التصميم الرسمي عن تلبية الاحتياجات الأساسية – الدفء، المساحة، التخزين – يتولّى السكان زمام المبادرة عبر ما يمكن تسميته “العمارة الارتجالية”. وما يبدو من بعيد فوضى بصرية هو، في حقيقته، حلول وظيفية وتصحيحات بيئية ابتكرها المستخدمون لسدّ ثغرات التصميم الأصلي. هذا الطرح يستند إلى عمل المعماري البريطاني جون إف. سي. تيرنر، الذي درس مستوطنات الإسكان الذاتي في أمريكا اللاتينية وصاغ “قوانين الإسكان الثلاثة”، ومفادها أن قيمة المسكن لا تكمن في ماهيته بل في وظيفته الحياتية، إذ كتب أن المهم في السكن هو:
“not what it is but what it does in people’s lives”
(ليس في ماهيته، بل في ما يفعله في حياة الناس)
— John F. C. Turner, Housing by People (1976)
المبدأ الرابع: استباق التغيير بدلاً من تركه للعشوائية
استيعاب النمو التدريجي (Anticipated Incremental Growth) ضمن النظام المعماري نفسه يحمي المدينة من الفوضى العشوائية، بدلاً من تركها لمعالجة لاحقة غير منظَّمة. وبدلاً من تصميم مبانٍ مغلقة ككتلة نهائية تُجبر السكان على الارتجال غير المدروس، يصمّم المعماريون “نواة سكنية” (Core) مزوَّدة بالخدمات الأساسية، مع مسارات مسبقة للتوسع الأفقي أو العمودي تستوعب نمو الأسرة وتبدّل الأنشطة الاقتصادية. هذا ما تجسّد في مشروع PREVI التجريبي في ليما (1969-1973)، الذي جمع نخبة من المعماريين العالميين – منهم جيمس ستيرلنغ وألدو فان آيك وكريستوفر ألكسندر – لتصميم وحدات سكنية تكون بدايةً لا نهاية. وكما وصف الباحث جستن ماكغيرك هذا المشروع:
“The houses were not the end but the beginning, a framework for expansion”
(لم تكن البيوت نهاية المشروع، بل بدايته، إطاراً قابلاً للتوسع)
— Justin McGuirk, “PREVI, Lima”
3.5 المبدأ الخامس: الاستدامة المعمارية كعملية معايرة مستمرة
العمارة (Architecture as Ongoing Calibration)، في جوهرها، ليست منتجاً نهائياً يُسلَّم في يوم واحد، بل عملية مواءمة ومعايرة مستمرة. فالمباني تشيخ، والمناخ يتبدّل، والظروف الاقتصادية تتغيّر، ومتانة العمارة وديمومتها تكمنان في قدرتها على الخضوع لعمليات التحديث والعزل وإعادة الاستخدام (Retrofitting) عبر قرارات محلية تراكمية تلائم الواقع المادي المتغيّر. هذه الفكرة صاغها المعماري البريطاني فرانك دافي ضمن نظرية “الطبقات المتباينة الزمن” (Shearing Layers)، التي طوّرها الكاتب ستيوارت براند في كتابه How Buildings Learn، حيث ميّز بين طبقات المبنى (الموقع، الهيكل، القشرة، الخدمات، التوزيع الداخلي، المحتويات) بحسب سرعة تغيّر كل منها بمرور الزمن:
“A building properly conceived is several layers of longevity of built components”
(المبنى المتصوَّر بشكل صحيح هو طبقات متعددة من مكونات ذات أعمار افتراضية مختلفة)
— Frank Duffy, quoted in Stewart Brand, How Buildings Learn (1994)
المناقشة: نحو نموذج تخطيطي متكامل
تتقاطع المبادئ الخمسة السابقة في فرضية مركزية واحدة: أن النظام التخطيطي الصارم على المستوى الكلّي هو الذي يحمي المدينة من الفوضى، بينما المرونة على المستوى المحلي هي التي تحمي جودة الحياة اليومية للسكان. فالتصميم العمراني المثالي، بحسب هذا الطرح، ليس هو التصميم “الكامل” الذي لا يحتاج إلى تعديل، بل هو النظام الذي يمتلك متانة هيكلية كافية لاستيعاب التناقضات والتحولات المعيشية اليومية دون الانهيار أو فرض القسر على سكانه. وتؤكد تجارب مثل PREVI، ونظريات هابراكِن وتيرنر وفان آيك ودافي، أن العمارة الارتجالية ليست عارضاً غير صحي يجب علاجه، بل مؤشراً تشخيصياً على مواضع القصور في التخطيط الأصلي، ينبغي أن يستثمره المعماريون والمخططون في الدورات التصميمية اللاحقة.
الخاتمة
إدارة الفراغ المعماري والعمراني تتطلب إعادة تعريف لمفهوم “النجاح التصميمي” نفسه: من معيار الثبات الشكلي إلى معيار القدرة على التكيّف عبر الزمن. وإذ تتبنّى هذه الرؤية مبادئ المرونة، وتعدد المقاييس، والمشاركة، والنمو التدريجي، والمعايرة المستمرة، فإنها تقترح على ممارسي العمارة والتخطيط العمراني تحوّلاً منهجياً من “تصميم المنتج النهائي” إلى “تصميم العملية المستمرة” .
المراجع (References)
Brand, S. (1994). How Buildings Learn: What Happens After They’re Built. New York: Viking Press.
Hidden Architecture. (2019). PREVI Low Cost Housing (I). https://hiddenarchitecture.net/previ-low-cost-housing-i/
Shepard, C. (2023). Mass Support: John Habraken, mass-produced housing, and democratic agency for the end-user. Places Journal. https://placesjournal.org/article/reconsidering-housing-theorist-john-habraken/
Turner, J. F. C. (1976). Housing by People: Towards Autonomy in Building Environments. London: Marion Boyars.
Van Eyck, A. (1962). Steps Toward a Configurative Discipline. Forum, 16(3), 81–94.
Habraken, N. J. (1972). Supports: An Alternative to Mass Housing. London: Architectural Press. (Original Dutch edition: De Dragers en de Mensen, 1961.)