المقدّمة
التعريف بالكتاب
يُعدّ كتاب «من العمارة إلى المدينة» للمعمار اللبناني رهيف فياض أحد أبرز المؤلفات العربية التي تتناول العلاقة بين العمارة والمدينة بوصفها علاقةً تتجاوز حدود التصميم والبناء إلى فضاءات الاجتماع الإنساني والثقافة والسياسة والاقتصاد. ويتصدّر الكتاب تقديمٌ للمفكر اللبناني محمد دكروب بعنوان «بين عمران المدينة وبنيان الكتابة»، يهيئ القارئ للإطار الفكري الذي يتحرك ضمنه المؤلف، مستحضراً مفهوم العمران في الفكر العربي الإسلامي بوصفه المفهوم الجامع للعلاقة بين الإنسان والمكان.
يجمع الكتاب مقالاتٍ ودراساتٍ وأوراق عمل ومحاضرات نُشر معظمها في الصحافة اللبنانية، ولا سيما في صحف السفير والنهار والأخبار، خلال الفترة الممتدة بين عامي 2003 و2009، قبل أن يعيد المؤلف تنظيمها ضمن خمسة أقسام رئيسة هي: ترتيب الأراضي اللبنانية، ومن العمارة إلى المدينة (بيروت نموذجاً)، والعمارة والتراث والمجتمع (حلب نموذجاً)، وحرب تموز وإعادة إعمار الضاحية الجنوبية، وتعليم العمارة في مواجهة العولمة والأمركة. وعلى الرغم من اختلاف المناسبات التي كُتبت فيها هذه النصوص، فإنها تشكّل في مجموعها مشروعاً فكرياً متماسكاً يدور حول سؤال المدينة العربية المعاصرة ومستقبلها.
طبيعة هذا المقال
يمثل هذا المقال تلخيصاً وتحليلاً علمياً لمضمون الكتاب وبنيته الفكرية، ولا يهدف إلى تقديم مراجعة نقدية أو تقييم لأطروحاته. ويقتصر على إعادة بناء الأفكار الرئيسة التي طرحها المؤلف وتنظيمها في إطار موضوعي يبرز الترابط بينها، مع الاستناد إلى نصوص الكتاب وإحالة القارئ إلى مواضعها، بما يحافظ على أمانة العرض ويمنح المقال طابعاً أكاديمياً موثقاً.
المحور الأول: الفكرة المركزية للكتاب
تقوم الفكرة المركزية التي ينتظم حولها الكتاب على الانتقال من النظر إلى العمارة بوصفها مبنى منفرداً، إلى النظر إلى المدينة باعتبارها منظومة اجتماعية وثقافية وإنسانية متكاملة. فالعمارة عند رهيف فياض ليست فعلاً تصميمياً مستقلاً تُقاس قيمته بجمالياته الشكلية أو بكفاءته الوظيفية فحسب، وإنما هي نتاج شبكة معقدة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي تنتج المكان وتحدد طريقة استخدامه والانتفاع به.
ومن هنا ينتقد المؤلف النزعة التي تختزل العمارة في المبنى، ويرى أن قيمة العمل المعماري لا يمكن فهمها إلا ضمن المدينة التي ينتمي إليها، لأن المدينة هي الإطار الذي تتشكل داخله علاقات الناس بالمكان، وتتجسد فيه الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية.
ويستعيد محمد دكروب في تقديمه للكتاب المفهوم الخلدوني لـ «العمران»، مبيناً أن العمران لا يقتصر على تشييد الأبنية، بل يشمل اجتماع الناس وحياتهم وعلاقاتهم داخل المكان، وهو ما يجعل المدينة كائناً اجتماعياً قبل أن تكون تجمعاً عمرانياً.
وانطلاقاً من هذا التصور، يقرأ فياض تحولات بيروت ومدن عربية أخرى، معتبراً أن نجاح المدينة لا يقاس بحجم الأبراج أو اتساع المشاريع العقارية، بل بقدرتها على الحفاظ على المجال العام، وصون الذاكرة الجماعية، واستمرار النسيج الاجتماعي الذي يمنح المكان معناه الحقيقي.
ويؤكد المؤلف أن المدينة ليست مجموع مبانٍ متجاورة، وإنما فضاء للعلاقات الإنسانية، وأن فقدان المجال العام أو تراجع العدالة المكانية يؤديان إلى إضعاف المدينة حتى وإن ازداد حجم الاستثمار العمراني فيها.
المحور الثاني: أهم القضايا التي يناقشها المؤلف
أولاً: تخطيط المدن
يفتتح فياض الكتاب بقراءة نقدية للخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية، محللاً الأسس الفكرية التي قامت عليها، ومناقشاً مدى قدرتها على تحقيق التنمية المتوازنة وصون المجال العام.
ويبين أن الخطة ترتكز على ثلاثة مبادئ كبرى هي وحدة لبنان، والإنماء المتوازن، وترشيد استخدام الموارد، غير أن تطبيق هذه المبادئ يبقى مرهوناً بمدى ترجمتها إلى سياسات تخطيطية فعلية تحافظ على المجال العام والموارد الطبيعية.
كما يناقش المؤلف تصنيف الأراضي اللبنانية إلى مناطق مدينية وريفية وزراعية وطبيعية، ويرى أن التخطيط لا ينبغي أن يقتصر على توزيع الاستعمالات، بل يجب أن يحافظ على خصوصية كل منطقة وعلى علاقتها بالمجال العام والبيئة المحيطة.
ثانياً: المجال العام
يحتل مفهوم المجال العام موقعاً محورياً في الكتاب، إذ يعتبره فياض المعيار الحقيقي لنجاح المدينة وجودة الحياة فيها.
ويعرّف المجال العام بوصفه الفضاء المشترك الذي يضم أماكن المرور، والنزهة، والتجارة، والتلاقي، والتجمع، والتبادل، أي الفضاء الذي تتشكل فيه الحياة اليومية للمجتمع وتتجسد فيه علاقات الناس بعضهم ببعض.
ومن هذا المنطلق ينتقد المؤلف الخطط التخطيطية التي تركّز على الأبنية والمشاريع الاستثمارية أكثر من تركيزها على الفضاءات العامة، رغم اعترافها بأن «جودة هذا المجال هي المعيار الأول لجودة العيش في المدينة».
ولا ينظر فياض إلى المجال العام بوصفه مجرد مساحة مفتوحة، بل باعتباره أحد أهم مقومات العدالة الاجتماعية، لأنه يمثل الحيز الذي يتساوى فيه جميع المواطنين في حق الوصول والاستخدام والمشاركة.
ثالثاً: إعادة الإعمار
يعرض الكتاب تجربتين مختلفتين لإعادة الإعمار في لبنان، تمثلان نموذجين متباينين في التعامل مع المدينة بعد الأزمات.
الأولى هي إعادة إعمار وسط بيروت، حيث ينتقد انتقال ملكية الجزء الأكبر من المركز التاريخي إلى شركة عقارية واحدة، ويرى أن هذا النموذج أدى إلى تحويل قلب المدينة من نسيج عمراني حي إلى فضاء يغلب عليه الطابع الاستثماري والسياحي، مع تراجع واضح لدور السكان الأصليين في تشكيل الحياة اليومية للمدينة.
أما التجربة الثانية فتتناول إعادة إعمار الضاحية الجنوبية بعد حرب تموز 2006، حيث يطرح المؤلف سؤالاً أساسياً يتعلق بحدود عملية الإعمار: هل ينبغي إعادة بناء الأبنية المدمرة فقط، أم إعادة النظر في الضاحية كلها؟ ويؤكد أن أي مشروع لإعادة الإعمار يجب أن ينطلق من حماية السكان وحقهم في العودة إلى مساكنهم وأماكن عملهم، لا من توسيع فرص الاستثمار العقاري.
رابعاً: الهوية الثقافية
يربط فياض بين العمارة والهوية، معتبراً أن العمران أحد أهم أشكال التعبير الثقافي للشعوب.
وفي القسم الأخير من الكتاب يناقش تأثير العولمة في العمارة العربية، ويميّز بين العولمة بوصفها ظاهرة تاريخية متعددة المراكز، والأمركة بوصفها نمطاً ثقافياً يسعى إلى فرض نموذج عمراني واحد.
ومن هنا يدعو إلى ترسيخ شخصية عمرانية عربية تستند إلى الخصوصية الثقافية والتاريخية، دون أن تنغلق على ذاتها أو ترفض الاستفادة من التطور التقني والمعرفي العالمي.
خامساً: التراث
يفرد المؤلف قسماً كاملاً لمسألة التراث المعماري، مستنداً إلى أعمال مؤتمر «حلب بين التراث والمعاصرة» وإلى إعلان حلب الذي صدر عنه.
ويرفض فياض النظر إلى التراث باعتباره مجموعة مبانٍ جامدة ينبغي حفظها داخل إطار متحفي، ويرى أن المحافظة الحقيقية تتمثل في إبقاء التراث جزءاً من الحياة اليومية للمدينة، بحيث يستمر أداء وظائفه الاجتماعية والثقافية ضمن نسيج عمراني متجدد.
وبذلك يتحول التراث من عنصر تاريخي معزول إلى مكوّن حي في عملية التنمية العمرانية.
سادساً: البيئة
يحضر البعد البيئي بقوة في نقد المؤلف للسياسات التخطيطية المتعلقة بالشاطئ اللبناني والمناطق الطبيعية.
ويشدد على أن حماية الساحل والموارد الطبيعية ليست قضية بيئية فحسب، وإنما هي أيضاً قضية تتعلق بالمجال العام، لأن الأملاك البحرية الطبيعية تمثل حقاً مشتركاً لجميع المواطنين.
ويؤكد أن الأملاك العامة البحرية هي أملاك عامة، والوصول إليها واستخدامها حق لجميع الناس، ولذلك فإن أي تعدٍ عليها يمثل انتقاصاً من المجال العام ومن حقوق المجتمع.
كما ينتقد استمرار الاعتداءات العمرانية على الشاطئ والمشاهد الطبيعية، ويرى أن حماية هذه المواقع تمثل جزءاً من حماية الهوية البيئية والثقافية للبنان.
سابعاً: العدالة المكانية
يربط فياض العدالة المكانية بحق السكان في الوصول إلى الموارد الطبيعية والمجالات العامة، ويرى أن التوسع العقاري غير المنضبط أدى إلى احتكار أجزاء واسعة من الواجهة البحرية وإلى حرمان المواطنين من حقهم الطبيعي في الاستفادة منها.
كما ينتقد انتشار الأبراج العالية التي تحجب البحر والمشهد الطبيعي عن المدينة، معتبراً أن هذه المشاريع تعبّر في كثير من الأحيان عن منطق استثماري أكثر من كونها استجابة لحاجات عمرانية حقيقية.
ثامناً: النقل
يناقش المؤلف شبكات النقل والمواصلات بوصفها جزءاً من المجال العام، وليس مجرد بنية تحتية تقنية.
ويصف الطرق والأوتوسترادات بأنها مجالات للعلاقات الاقتصادية والإنسانية، وأدوات لإعادة هيكلة الأراضي الوطنية، الأمر الذي يجعل قرارات النقل قرارات عمرانية واجتماعية في الوقت نفسه.
وانطلاقاً من هذا التصور، ينتقد بعض الحلول المقترحة لمعالجة الازدحام في بيروت، ويرى أن الطرق السريعة قد تتحول إلى عناصر تقطع أوصال المدينة وتضعف علاقتها بمحيطها إذا لم تُدمج ضمن رؤية حضرية شاملة.
تاسعاً: التنمية
يربط الكتاب بين التنمية العمرانية والعدالة الاجتماعية، ويرفض اختزال التنمية في زيادة الاستثمار العقاري أو تشييد الأبراج.
ويؤكد أن التنمية الحقيقية هي التي تحقق التوازن بين النمو الاقتصادي، والحفاظ على النسيج الاجتماعي، وصون التراث، وحماية البيئة، وتعزيز المجال العام بوصفه أساس الحياة المدنية.
عاشراً: المشاركة المجتمعية
يختتم المؤلف هذا المحور بالتأكيد على أن المدينة لا يمكن أن تُبنى بقرارات فوقية أو باستثمارات معزولة عن المجتمع.
ومن ثم يدعو إلى إشراك السكان والمالكين الأصليين في عمليات التخطيط وإعادة الإعمار، معتبراً أن نجاح أي مشروع عمراني يقاس بقدرته على حماية المجتمع الذي يعيش فيه، لا بحجم الاستثمارات التي يجذبها أو بعدد الأبراج التي يشيدها.
المحور الثالث: المنهج الفكري لرهيف فياض
يمثل كتاب «من العمارة إلى المدينة» نموذجاً للكتابة العمرانية التي تجمع بين الخبرة المهنية والموقف الفكري النقدي. فالمؤلف لا يكتب من موقع الباحث النظري المنعزل، ولا من موقع المهندس الممارس الذي يقتصر اهتمامه على الحلول التقنية، بل من موقع المعمار المثقف الذي يرى أن العمارة والمدينة مرآة للتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.
ويقوم منهجه على الانتقال من الجزئي إلى الكلي؛ إذ يبدأ بتحليل حالات عمرانية محددة، مثل الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية، ووسط بيروت، والأبراج السكنية، والضاحية الجنوبية، ومدينة حلب، ثم يستخلص منها مفاهيم عامة تتعلق بالمجال العام، والهوية، والعمران، والتنمية، والعولمة. وبهذا الأسلوب تتحول كل حالة دراسية إلى مدخل لفهم إشكاليات المدينة العربية بصورة أشمل.
ويعتمد فياض بصورة واضحة على المنهج الاستقرائي، إذ ينطلق من ملاحظة الوقائع العمرانية وتحليلها، قبل الوصول إلى استنتاجات عامة. فالمدينة بالنسبة إليه ليست فكرة مجردة، وإنما واقع مادي واجتماعي يمكن قراءته من خلال الشوارع والساحات والأحياء والمباني وشبكات النقل والعلاقات التي تنشأ بينها.
كما يستند المؤلف إلى التحليل التاريخي في تفسير التحولات العمرانية، فيربط الحاضر بمراحله السابقة، ويبين كيف أسهمت الحروب، والسياسات العقارية، والتحولات الاقتصادية، في تشكيل المدن اللبنانية والعربية. ومن خلال هذا الربط التاريخي، يرفض التعامل مع المدينة باعتبارها مشروعاً يبدأ من الصفر، ويؤكد أن كل تدخل عمراني ينبغي أن يراعي الذاكرة المتراكمة للمكان وسكانه.
ويبرز في الكتاب أيضاً المنهج المقارن، إذ يقارن بين تجارب مختلفة داخل لبنان وخارجه، مثل المقارنة بين إعادة إعمار وسط بيروت وإعادة إعمار الضاحية الجنوبية، أو بين التجربة اللبنانية وتجربة مدينة حلب في التعامل مع التراث العمراني. ولا تهدف هذه المقارنات إلى المفاضلة بين النماذج، بقدر ما تسعى إلى إبراز اختلاف المقاربات التخطيطية وآثارها في المجتمع والمدينة.
ومن السمات اللافتة في منهجه اعتماده الأسئلة المفتوحة بدلاً من الأحكام القطعية. فعندما يناقش إعادة إعمار الضاحية الجنوبية، لا يبدأ بطرح حلول جاهزة، وإنما يثير سلسلة من الأسئلة المنهجية حول حدود الإعمار وأهدافه والجهات المستفيدة منه، معتبراً أن صياغة السؤال الصحيح تمثل الخطوة الأولى نحو الوصول إلى تخطيط عمراني رشيد.
كذلك يتسم الكتاب بوضوح البعد النقدي؛ إذ لا يكتفي المؤلف بوصف الظواهر العمرانية، وإنما يحلل القوى التي تنتجها، سواء كانت سلطة الدولة أو رأس المال العقاري أو السياسات التخطيطية أو التحولات الاقتصادية العالمية. ومن هنا يتحول تحليل المبنى أو الطريق أو المشروع العمراني إلى تحليل للبنية الاجتماعية والسياسية التي أنتجته.
ومن الخصائص المنهجية المهمة أيضاً قدرة المؤلف على الربط بين المستوى المحلي والمستوى البنيوي العام. فهو يبدأ من تفاصيل حي أو شارع أو مبنى، ثم يربطها بقضايا أكبر، مثل العدالة المكانية، والعولمة، والهوية، وإدارة المجال العام، بما يجعل المدينة انعكاساً لعلاقات القوة داخل المجتمع.
ولا يغيب عن هذا المنهج البعد الإنساني؛ إذ يركز فياض باستمرار على الإنسان باعتباره محور العملية العمرانية، ويرى أن قيمة المدينة لا تقاس بحجم الاستثمارات أو عدد الأبراج، وإنما بقدرتها على إنتاج فضاء حضري يحفظ كرامة الإنسان ويعزز انتماءه إلى المكان.
وعلى هذا الأساس يمكن القول إن المنهج الفكري للمؤلف يقوم على خمسة مرتكزات رئيسة:
وبذلك ينجح فياض في تقديم قراءة تتجاوز حدود العمارة بوصفها ممارسة تقنية، لتصبح أداة لفهم المجتمع وتحولاته، وهو ما يفسر انسجام موضوعات الكتاب المتعددة ضمن مشروع فكري واحد.
المحور الرابع: أبرز النتائج التي يصل إليها الكتاب
ينتهي كتاب «من العمارة إلى المدينة» إلى مجموعة من النتائج الفكرية والعمرانية التي تشكل خلاصة المشروع الذي يدافع عنه المؤلف، ويمكن تلخيصها فيما يأتي:
أولاً: المجال العام هو معيار جودة المدينة
يؤكد الكتاب أن نجاح المدينة لا يقاس بعدد المباني أو حجم الاستثمارات العقارية، وإنما بجودة المجال العام الذي يتيح للناس اللقاء والحركة والتفاعل والمشاركة. ولذلك يرى المؤلف أن أي تخطيط يتجاهل المجال العام، مهما بلغت كفاءته التقنية، يبقى تخطيطاً ناقصاً، لأن المدينة تُبنى بالإنسان قبل أن تُبنى بالإسمنت. ويستند في ذلك إلى أن «جودة هذا المجال هي المعيار الأول لجودة العيش في المدينة».
ثانياً: التخطيط العمراني ينبغي أن يخدم المجتمع لا الاستثمار وحده
يرى فياض أن الخطط التخطيطية الرسمية تعلن اهتمامها بالمجال العام والتنمية المتوازنة، إلا أن التطبيق العملي كثيراً ما ينحاز إلى الاعتبارات الاستثمارية والعقارية، الأمر الذي يؤدي إلى تقليص المساحات العامة وتراجع جودة البيئة الحضرية. ومن ثم فإن التخطيط الناجح هو الذي يوازن بين التنمية الاقتصادية والمصلحة العامة، ويجعل الإنسان محور السياسات العمرانية.
ثالثاً: إعادة الإعمار ليست عملية هندسية فقط
يؤكد المؤلف أن إعادة الإعمار لا تعني إعادة بناء الأبنية المهدمة فحسب، بل تعني أيضاً إعادة بناء المجتمع الذي فقد جزءاً من ذاكرته ومجاله العام وعلاقاته المكانية. ولذلك فإن نجاح مشاريع الإعمار يقاس بقدرتها على إعادة السكان إلى أحيائهم واستعادة الحياة الاجتماعية، وليس بمجرد تشييد مبانٍ جديدة.
رابعاً: الأبراج تعكس في كثير من الأحيان منطق السوق أكثر مما تعكس حاجات المدينة
يخلص الكتاب إلى أن الانتشار الواسع للأبراج في المدن العربية الحديثة لا يرتبط دائماً بالحاجة العمرانية أو السكانية، بل يعكس في جانب كبير منه منطق الاستثمار العقاري وتعظيم الأرباح. ويؤدي ذلك إلى إضعاف المجال العام، وحجب المشاهد الطبيعية، وتعزيز التفاوت المكاني بين فئات المجتمع.
خامساً: التراث عنصر حي في التنمية العمرانية
يرفض المؤلف اختزال التراث في الحفظ المتحفي أو التعامل معه باعتباره بقايا من الماضي، ويرى أن المحافظة الحقيقية عليه تتحقق من خلال دمجه في الحياة اليومية للمدينة، بما يضمن استمرار وظائفه الاجتماعية والثقافية. فالتراث، وفق هذا التصور، ليس عائقاً أمام التطور، بل أحد مقومات التنمية المستدامة.
سادساً: حماية البيئة جزء من حماية المجال العام
يخلص الكتاب إلى أن حماية الشاطئ، والوديان، والمشاهد الطبيعية، والأراضي الزراعية ليست قضايا بيئية منفصلة عن التخطيط العمراني، بل تمثل ركناً أساسياً من أركان المجال العام الوطني، لأن هذه الموارد الطبيعية تشكل ملكية جماعية لجميع المواطنين، ويجب أن تبقى متاحة لهم دون احتكار أو تعدٍ.
سابعاً: العدالة المكانية شرط لتحقيق المدينة الإنسانية
يرى فياض أن المدينة العادلة هي التي تضمن تكافؤ فرص الوصول إلى الفضاءات العامة والخدمات والموارد الطبيعية، وتحد من هيمنة رأس المال العقاري على أهم المواقع الحضرية. ومن هنا تصبح العدالة المكانية جزءاً من العدالة الاجتماعية، وليست مجرد قضية تخطيطية.
ثامناً: مواجهة العولمة تبدأ من ترسيخ الهوية العمرانية
يؤكد المؤلف أن الحفاظ على الهوية لا يتحقق برفض الحداثة أو الانغلاق على الماضي، وإنما بإنتاج عمارة معاصرة تنطلق من الخصوصية الثقافية للمجتمع العربي، وتستفيد في الوقت نفسه من منجزات المعرفة الإنسانية. ولذلك يدعو إلى مقاومة ذوبان الشخصية العمرانية العربية في النماذج العالمية الموحدة، وإلى تطوير خطاب معماري يعبر عن البيئة والثقافة والتاريخ المحلي.
تاسعاً: المدينة مشروع حضاري قبل أن تكون مشروعاً عمرانياً
تُعد هذه النتيجة الخلاصة الفكرية الأهم للكتاب؛ إذ يرى فياض أن المدينة ليست تجمعاً من المباني والطرق، وإنما كيان حضاري تتداخل فيه الثقافة والاقتصاد والسياسة والذاكرة والهوية. ومن ثم فإن أي مشروع عمراني لا يضع الإنسان والمجتمع في مركز اهتمامه يفقد جزءاً كبيراً من قيمته، مهما بلغت جودة تصميمه أو ضخامة استثماراته.
ومن خلال هذه النتائج يتضح أن المشروع الفكري لرهيف فياض لا يدعو إلى تغيير أشكال المباني فحسب، بل إلى إعادة تعريف وظيفة العمارة نفسها، بحيث تصبح وسيلة لبناء مدينة أكثر عدالة وإنسانية، تحفظ المجال العام، وتصون التراث، وتحقق التوازن بين التنمية الاقتصادية والهوية الثقافية، وهو ما يشكل جوهر الرسالة التي يسعى الكتاب إلى ترسيخها.
الخاتمة
يقدم كتاب «من العمارة إلى المدينة» رؤية عمرانية تتجاوز المفهوم التقليدي للعمارة بوصفها إنتاجاً للمباني، لتجعل منها ممارسة حضرية وثقافية تتفاعل مع المجتمع والاقتصاد والسياسة والبيئة. وعلى الرغم من أن الكتاب يضم مقالات ودراسات كُتبت في مناسبات زمنية مختلفة، فإن المؤلف ينجح في توحيدها ضمن مشروع فكري متماسك يتمحور حول سؤال المدينة العربية المعاصرة وكيفية الحفاظ على إنسانيتها في ظل التحولات الاقتصادية والعمرانية المتسارعة.
وتكشف الموضوعات التي تناولها الكتاب أن المدينة، في تصور رهيف فياض، ليست مجرد إطار مادي للحياة، بل هي وعاء للذاكرة الجماعية، ومجال لممارسة الحقوق المدنية، وفضاء تتجسد فيه العدالة الاجتماعية والهوية الثقافية. ولذلك فإن أي مشروع عمراني يفصل بين المبنى وسياقه الاجتماعي، أو بين التخطيط والإنسان، يظل مشروعاً ناقصاً مهما بلغت قيمته الاقتصادية أو التقنية.
كما يبرز الكتاب أهمية إعادة النظر في العلاقة بين التخطيط العمراني والتنمية، إذ يؤكد أن التنمية الحقيقية لا تتحقق من خلال التوسع العمراني وحده، وإنما من خلال تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي، وحماية المجال العام، وصون التراث، والمحافظة على البيئة، وتعزيز مشاركة المجتمع في صناعة القرار العمراني.
ومن خلال الأمثلة التي يعرضها المؤلف، ولا سيما في بيروت وحلب والضاحية الجنوبية، يتضح أن قضايا إعادة الإعمار، وحماية التراث، وإدارة المجال العام، ليست قضايا محلية فحسب، بل تمثل تحديات مشتركة تواجه معظم المدن العربية في ظل ضغوط العولمة، وتنامي الاستثمار العقاري، والتحولات الاجتماعية المتسارعة.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن الرسالة الأساسية للكتاب تتمثل في إعادة الاعتبار إلى المدينة بوصفها مشروعاً حضارياً وإنسانياً، لا مجرد مشروع عمراني أو اقتصادي، وأن نجاح العمارة يقاس بقدرتها على خدمة الإنسان وتعزيز جودة الحياة والمحافظة على هوية المكان أكثر مما يقاس بفرادتها الشكلية أو بضخامة منشآتها.
أهمية الكتاب في الفكر العمراني العربي المعاصر
تنبع أهمية كتاب «من العمارة إلى المدينة» من كونه لا يقتصر على معالجة قضايا التصميم أو التخطيط العمراني، بل يقدم رؤية فكرية شاملة تعيد صياغة العلاقة بين العمارة والمجتمع. ويأتي الكتاب في مرحلة شهدت فيها المدن العربية تحولات عميقة بفعل العولمة، وتسارع الاستثمار العقاري، وتزايد آثار الحروب، الأمر الذي منح موضوعاته بعداً يتجاوز السياق اللبناني إلى الفضاء العربي بأكمله.
وتتجلى القيمة العلمية للكتاب في أنه يجمع بين الخبرة المهنية للمعماري، والتحليل النقدي للمثقف، فلا يكتفي بوصف الظواهر العمرانية، وإنما يسعى إلى تفسير أسبابها ونتائجها وربطها بالبنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أنتجتها. ومن ثم، يقدّم نموذجاً للكتابة العمرانية العربية التي تنظر إلى المدينة باعتبارها موضوعاً متعدد الأبعاد، لا يمكن اختزاله في الحلول الهندسية أو في الاعتبارات الجمالية وحدها.
كما يسهم الكتاب في ترسيخ عدد من المفاهيم التي أصبحت اليوم من ركائز الفكر العمراني المعاصر، مثل المجال العام، والعدالة المكانية، والهوية العمرانية، والتنمية المستدامة، وإعادة الإعمار المرتبطة بحقوق السكان، وحماية التراث بوصفه جزءاً من الحياة اليومية للمدينة. وتُطرح هذه المفاهيم في سياق عربي، انطلاقاً من تجارب واقعية، مما يمنح الكتاب قيمة تطبيقية إلى جانب قيمته النظرية.
ومن ناحية أكاديمية، يمثل الكتاب مرجعاً مهماً لطلبة العمارة والتخطيط الحضري، والباحثين في الدراسات الحضرية، لأنه يقدم نموذجاً لكيفية الربط بين النظرية والممارسة، وبين التحليل العمراني والقراءة الاجتماعية للمكان. كما يفتح المجال أمام دراسات لاحقة تتناول قضايا المدينة العربية من منظور نقدي يوازن بين متطلبات التنمية والمحافظة على الهوية والذاكرة والمجال العام.
وبذلك، لا تقتصر أهمية «من العمارة إلى المدينة» على كونه توثيقاً لمرحلة من تاريخ العمران اللبناني، بل تتعدى ذلك إلى كونه إسهاماً بارزاً في تطوير الخطاب العمراني العربي، ودعوةً إلى إعادة التفكير في المدينة باعتبارها فضاءً للإنسان قبل أن تكون فضاءً للاستثمار أو للتوسع العمراني.
الخلاصة العامة
يخلص كتاب «من العمارة إلى المدينة» إلى أن العمارة لا يمكن فهمها بمعزل عن المدينة، كما لا يمكن فهم المدينة بمعزل عن المجتمع الذي ينتجها ويعيش فيها. فالمدينة، في منظور رهيف فياض، هي التعبير الأكثر اكتمالاً عن العلاقات الإنسانية والثقافية والاقتصادية والسياسية، ومن ثم فإن جودة العمران تقاس بمدى حفاظه على المجال العام، وصيانته للهوية، وتعزيزه للعدالة المكانية، وحمايته للتراث والبيئة، وليس فقط بما يحققه من توسع عمراني أو عائد اقتصادي.
وتؤكد هذه الرؤية أن مستقبل المدن العربية يتوقف على تبني سياسات تخطيطية تجعل الإنسان محور العملية العمرانية، وتوازن بين متطلبات التنمية والمحافظة على الذاكرة الجماعية، بما يضمن إنتاج مدن أكثر استدامة وعدالة وإنسانية. ومن هنا ينجح الكتاب في تحقيق ما يوحي به عنوانه؛ إذ يقود القارئ في رحلة فكرية تبدأ من العمارة بوصفها عملاً تصميمياً، وتنتهي عند المدينة بوصفها مشروعاً حضارياً متكاملاً.
المراجع
فياض، رهيف. من العمارة إلى المدينة. تقديم: محمد دكروب. بيروت: دار الفارابي، الطبعة الأولى، 2010.