Home أصالة المنطق لا حرفية الشكل: التراث كمنظومة معرفية حية

أصالة المنطق لا حرفية الشكل: التراث كمنظومة معرفية حية

لطالما كان النقاش المعماري حول التراث بين موقفين: الموقف الأول الذي يعامل التراث بوصفه أثرًا متحفيًا يجب تجميده وتمجيده وصونه من أي تدخل للحفاظ عليه وقد يصل في بعض الحالات إلى تقديسه، والموقف الثاني المقابل المضاد ينظر إلى التراث بوصفه عبئًا من الماضي ينبغي تجاوزه لصالح حداثة عالمية موحدة. لكن من الجيد النظر من وجهة نظر أخرى تتبنى موقفاً ثالثاً ينطلق من قراءة نقدية مفادها أن التراث في جوهره وأصله منظومة معرفية تراكمت عبر أجيال متعاقبة من التجربة والخطأ والتكيف مع الشروط البيئية والاجتماعية، لتكون قيمته الحقيقية في المنطق الذي أنتج تلك التصاميم لا في المنتج النهائي. يطرح هذا الموقف إشكالية تتطلب إعادة النظر في مفهوم الأصالة ليقول إن الأصيل ليس بالضرورة القديم المتكرر، بل هو الحل الذي يظل وفيًّا للمبدأ الذي نشأ لأجله، حتى وإن تغيّرت مادته أو تقنيته أو شكله الظاهري. التراث مصدر للمعرفة لا قالب جاهز للتقليد.
يقدم المعماري المصري حسن فتحي أطروحة تميز بين التقليد بوصفه عادة اجتماعية متوارثة عبر الأجيال وبين التقليد بوصفه مجرد تكرار شكلي. فالتقليد في نظره ليس بالضرورة قديمًا أو جامدًا، بل قد ينشأ حديثًا كلما واجه صانع ما مشكلة عملية وابتكر لها حلًّا يتبناه آخرون من بعده، لتتشكل بذلك سلسلة متصلة من الخبرة والمعرفة المتوارثة. فالتقليد بهذا المعنى أقرب إلى منظومة معرفية حيّة ومتجددة تتشكل بالممارسة المتكررة، لا وصفة جاهزة تُنسخ بشكل حرفي يكاد يُقدسها عبر الزمن. 

تطوير تقنيات التربة المدكوكة في العمارة المعاصرة. Source: suyu li / Getty Images

وفي هذا السياق، يؤكد المؤرخ النمساوي برنارد رودوفسكي في مؤلَّفه الشهير «العمارة بلا معماريين» أن العمارة الشعبية تدين باستمراريتها الطويلة إلى تراكم معرفي متجدد يُعاد توزيعه وتكييفه باستمرار استجابةً لمعطيات البيئة المحيطة وتطور التقنيات والمواد، وليس إلى ثبات شكلي متوارث دون تغيير. هذه الأفكار تقدم معادلة غير تقليدية لقراءة التراث: فبدلًا من اعتباره مجموعة أشكال نهائية، يصبح مسارًا معرفيًّا مستمرًّا من التجارب والحلول الجماعية.
فيما يرى كريستيان نوربرغ-شولتز أن شكل وتركيبة المسكن ليست نتاجًا مباشرًا للمناخ أو التقنيات والمواد المتاحة فحسب، بل هي محصلة تفاعل معقد بين عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية، وأن فهم هذا التفاعل يتيح فهم المنطق الكامن وراء الناتج المعماري بمعزل عن شكله النهائي. وهذا ما قد يساعد في إمكانية إعادة تفسير العناصر التراثية في العمارة التقليدية في منطقتنا كالفناء الداخلي أو المشربية أو الملقف أو حتى العناصر الزخرفية؛ فحين يُعاد تصميم هذه العناصر بمواد ومقاييس ومعايير معاصرة، سيظل مبرر وجودها—التظليل أو توجيه الهواء أو الخصوصية—حاضرًا وفاعلًا وذا معنى، بالرغم من اختلاف المادة والمقاسات والتقنيات اختلافًا قد يكون جذريًّا عن أصلها التراثي. فيكون الوفاء للمنطق والمنطلق الوظيفي لا للشكل الحرفي هو ما يضمن استمرارية المعنى التراثي مع مرور الزمن.
وهذا يتطلب أيضاً تبني مفهوم *”التفكيك والتركيب الإدراكي” (Cognitive Deconstruction)* بالتقاطع مع علم النفس البيئي؛ فالإنسان لا يشعر بالانتماء والألفة تجاه سياقه المحلي لمجرد رؤية قشرة خارجية أو مفردات شكليّة مستعارة كقوس أو زخرفة أُلصقت على واجهة خرسانية، بل ينبثق هذا الشعور عندما يختبر الجسد نفس *”العلاقات الفراغية والتتابعات الحركية”* التي ميزت عمارته التقليدية عبر التاريخ. إن الوفاء الحقيقي للتراث، في ضوء “الإقليمية النقدية” لفرامبتون، يعني إعادة تفكيك هذه العلاقات وإعادة إنتاج “التجربة الحسية والإدراكية” للمبنى، بمعزل عن حرفية المواد. بناءً على ذلك، تصبح “الأصالة” هنا هي *أصالة المشاعر الفراغية والظواهرية* (Phenomenological Authenticity)؛ فعندما يعيد المعماري صياغة تدرج الخصوصية (من الفضاء العام للمدينة، مروراً بالمجاز والانتقال المنكسر، وصولاً إلى حميمية الفناء الداخلي)، أو عندما يتلاعب بالتضاد الحسي بين عتمة الممرات وبريق الضوء الطبيعي المتسلل، فإنه يحقق أعلى درجات الانتماء الثقافي، حتى وإن كان المبنى معاصراً بالكامل ويستخدم في إنشائه الزجاج والفولاذ المقاوم للصدأ. الأصالة لا تسكن في المادة الساكنة، بل في وعي الإنسان الذي يعيش الفراغ ويتفاعل معه.
يمكن قراءة هذه التجربة عمليًّا في مشاريع معاصرة عديدة من بينها تجربة المعمارية الألمانية آنا هيرينغر في العمارة الترابية، حيث استخدمت تقنيات هندسية وإنشائية حديثة كالتربة المدكوكة والعناصر الترابية المسبقة الصنع لتطوير أداء مواد تقليدية كالطين دون أن تفقد هذه المواد ارتباطها بالمعرفة المحلية والمهارات الحرفية المتوارثة. فلا تشكل بذلك التكنولوجيا المعاصرة بديلًا عن الحكمة والمعرفة التقليدية بل تكون أداة لتعزيزها وتوسيع نطاق فعاليتها واستخداماتها. وتجربة آنا هيرينغر في مشاريع متعددة في بنغلاديش وغانا وأوروبا توضح كيف يمكن للطين والخيزران، حين تُعاد هندستهما بأساليب إنشائية معاصرة كالدك والتسليح الخفيف والعزل المدمج، أن يحققا أداءً إنشائيًّا وحراريًّا يضاهي مواد صناعية حديثة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على انخفاض الأثر البيئي وارتباط المادة بالسياق المحلي ومهارات الصنعة المتوارثة. وهذا ما يفتح الباب أمام إعادة تأهيل المواد المحلية كالطين والحجر والخيزران بوصفها خيارات إنشائية وبيئية ذات جدارة تنافسية حقيقية، لا بدائل اقتصادية اضطرارية فقط.
تُقدّم اتفاقية اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي لعام ٢٠٠٣ تعريفًا مفصليًّا في هذا السياق، إذ تصف هذا التراث بأنه ينتقل من جيل إلى جيل، ويُعاد إبداعه باستمرار من قبل المجتمعات والجماعات استجابةً لبيئتها وتفاعلها مع محيطها الطبيعي وتاريخها، بما يمنحها إحساسًا بالهوية والاستمرارية. ويترتب على هذا التعريف نتيجة جوهرية: أن التراث الحي ومنه المعرفة البنائية التقليدية لا يُعرَّف بثباته، بل بقدرته على التجدد المستمر ضمن الممارسة الفعلية للمجتمعات التي تحمله. فالمعرفة التي تتوقف عن الاستخدام والتناقل تتحول تدريجيًّا من تراث حي إلى مجرد أثر تاريخي موثَّق، بينما تظل المعرفة المتداولة والمطوَّرة جزءًا فاعلًا من الهوية الثقافية الراهنة.
الابتكار المعماري لا يستلزم بالضرورة قطيعة مع التراث، بل يمكن أن ينبثق من إعادة قراءته وتفكيك منطقه الداخلي وإعادة تركيبه في صيغ معاصرة. وهذا بالضبط ما يقترحه فرامبتون حين يدعو إلى التعامل مع الثقافة الإقليمية لا بوصفها معطى ثابتًا يُستهلك كما هو، بل بوصفها مادة خام تُستنبت وتُصاغ بوعي نقدي متجدد. إن التعامل مع التراث المعماري بوصفه معرفة قابلة للتطوير، لا قالبًا جامدًا للتقليد، يفتح أفقًا نظريًّا وعمليًّا أرحب لإعادة توظيف الموروث المحلي في مواجهة تحديات العصر البيئية والاجتماعية والاقتصادية. فمن خلال الحفاظ على المنطق الوظيفي والإدراكي للعناصر التراثية، ودمج التقنيات الحديثة بالمعرفة المحلية وتطوير المواد التقليدية واستمرار نقل هذه المعرفة عبر الممارسة الحية، يمكن للتراث أن يظل مصدرًا متجددًا للابتكار المرتكز على الهوية، بدلًا من أن يتحول إلى أثر ساكن يُعرض ولا يُستخدم.

التجربة الحسية والظواهرية في فناء تقليدي. Source: ViewStock / Getty Images
Reddit
Wael Moustafa